خاطرة بقلمي مكي اليماني
ما عدت أرى ابتسامة على وجه بشر، وما عدت أسمع السلام عليكم في الشارع، تحية الإسلام انقرضت. تمر بجانب أحدهم فلا ينظر لوجهك، وجهه معكوس وكأنه يحمل هم الدنيا.
زمان كنا نسأل عن بعض، كيف حالك وايش أخبارك. اليوم البيوت عامرة بالأثاث فارغة بالقلوب، لا يجتمع أهلها إلا تحت سقف الواي فاي، ولا يرفع أحدهم رأسه إلا إذا انقطعت الشبكة.
لم تعد المأساة أن يموت الإنسان وحيدا، بل أن يعيش محاطا بجدران إلكترونية، محاطا بأصدقاء لا يعرفون رائحته ولا يشاركونه كسرة خبز ولا دمعة وجع.
أضحى الهاتف إلها صغيرا لا يرى ولا يعصى، يوقظك بمنبه، ويؤنبك بإشعار، ويبارك يومك بعدد اللايكات. نصلي له برمشة عين ونسبح له بلمسة إصبع ونزكي له وقتنا وعمرنا دون حساب.
ادخل المسجد في الفجر فلا ترى إلا اثنين أو ستة، كل واحد ماسك مصحفه في زاوية. أين الناس، هل صارت الصلاة مجاملة، نأتي إذا فضينا ونتركها إذا انشغلنا.
الوجوه انطفأت وصارت صورا معدلة، والضحكات استبدلت بوجوه صفراء خلف الشاشة. حتى الحزن صار بوست يترجى التعاطف، والموت صار خبر عاجل يمر بين إعلانين.
الأب يشيخ ولا أحد يلحظ انحناء ظهره، والأم تتآكل ولا أحد يسمع أنينها، والطفل يصرخ ولا أحد يلتفت، وحده الهاتف إذا اهتز ركض الجميع نحوه كأنه المولود الشرعي الوحيد للعائلة.
في اليمن خاصة، أتعبنا الغلاء والحرب، وأتعبنا الجوال أكثر، صرنا نعرف أخبار العالم ولا نعرف هل جارنا تعشى أم نام جائع.
كل شيء صار نسخة رقمية، المائدة ستوري والعزاء لايف والفرح فلتر، حتى القبور نزورها عبر صور محفوظة ولا نتعب أقدامنا إلى مقبرة حقيقية.
لقد انقلبت المعادلة، الإنسان صار هامشا والآلة صارت متنا، البيوت تحولت إلى مقابر مضاءة بالشاشات، سكانها موتى يمشون على أقدامهم، يبتسمون للكاميرا ويلوحون للمتابعين ثم يعودون لصمتهم الرقمي.
إنها عبودية جديدة أقسى من السلاسل، الأولى كانت توجع الجسد وهذه تنحر الروح وتترك الجسد هائما بلا معنى. إنه قفص مضاء وقبر مفتوح نضحك فيه ونحن لا نعلم أننا موتى منذ زمن.
ارجعوا للسلام عليكم، قولوها بقلب، ابتسموا في وجه بعضكم، اسألوا عن جيرانكم، وعمروا الفجر، فما ضاقت بنا الدنيا إلا حين ضاقت قلوبنا عن بعضها..
تعليقات
إرسال تعليق