فِي مِحرَابِ الإنتظار بقلم سليمان ملحم

اِستَحالَتِ الرُّؤيَا ضَبَابًا يَلُفُّ الْأُفُقَ، وَكَأَنَّ النُّورَ قَدْ آثَرَ 

الِاختِبَاءَ خَلفَ سُحُبِ الحَنِينِ.

 تَجَمَّدَتِ الْأَفكَارُ فِي رَأْسِي، وَأَنَا مَا زِلتُ قَابِعًا فِي فِرَاشِي، أُقَلِّبُ صَفَحَاتِ الذِّكرَى، وَأَستَعِيدُ تِلكَ اللَّحظَةَ 

الَّتِي أُوصِدَتْ فِيهَا أَبوَابُ المَحَبَّةِ بَينَنَا، وَرُفِعَتْ رَايَةُ القَطِيعَةِ، وَصَدَرَ حُكمٌ قَاسٍ بِالِاستِهتَارِ بِكُلِّ مَا جَمَعَنَا مِنْ وُدٍّ وَأَلَفَةٍ.

نَهَضتُ، كَعَادَتِي، أَجُرُّ خُطَايَ نَحوَ أَرِيكَةٍ تُطِلُّ عَلَى حَدِيقَةِ الْمَنزِلِ.

 وَضَعتُ أَمَامِي فِنجَانَ قَهوَتِي، وَتَنَاوَلْتُ كِتَابًا صَغِيرًا مِنْ مُؤَلَّفَاتِي، يَحمِلُ عُنوَانًا كَأَنَّهُ يُجَسِّدُ حَالِي:

 كَيفَ نَتَعَلَّمُ الِانتِظَارَ؟.

 تَأَمَّلتُ صَفَحَاتِهِ، فَوَجَدتُ أَنَّهَا تَسأَلُنِي الأَسئِلَةَ ذَاتَهَا الَّتِي أَعجِزُ عَنْ إِجَابَتِهَا.

وَمَا زَالَتْ صُورَتُكِ تَسكُنُ ذَاكِرَتِي؛ 

جَمِيلَةُ الْوَجهِ، غَامِضَةُ القَلبِ، تَنظُرِينَ إِلَيَّ بِنَظَرَاتٍ يَختَلِطُ فِيهَا الغَضَبُ بِالصَّمتِ.

 ثُمَّ رَأَيتُكِ تَحمِلِينَ حَقِيبَتَكِ اليَدَوِيَّةَ، وَتَرحَلِينَ دُونَ وَدَاعٍ، كَأَنَّ الْوَدَاعَ كَلِمَةٌ لَا تَلِيقُ بِالْمُفتَرِقِينَ.

 وَمَعَ إِغلَاقِ البَابِ، لَمْ يُغلَقْ بَابُ المَنزِلِ فَحَسبُ، بَلْ أُوصِدَتْ أَبوَابُ الأَمَلِ كُلُّهَا.

وَمَعَ ذَلِكَ... مَا زِلتُ أَنتَظِرُ.

أَنتَظِرُ لِقَاءً قَدْ يَأْتِي، وَقَدْ لَا يَأْتِي.

 أَنتَظِرُ صَوتًا يُبَدِّدُ صَمتَ الأَيَّامِ، وَخُطوَةً تُعِيدُ لِلقَلبِ نَبضَهُ الأَوَّلَ.

فَهَلْ سَيَأْتِي يَومٌ تَعودِينَ فِيهِ كَمَا غَادَرتِ، بِغَيرِ 

مُقَدِّمَاتٍ، وَبِغَيرِ وَعدٍ؟

لَا أَدرِي...

لَعَلَّ الِانتِظَارَ لَيسَ انتِظَارَ شَخصٍ بِقَدرِ مَا هُوَ انتِظَارُ

 جُزءٍ مِنَّا رَحَلَ مَعَهُ. 

وَتَبقَى الذِّكرَيَاتُ، عَلَى وَجعِهَا، أَجمَلَ مَا يَملِكُهُ

 القَلبُ حِينَ يَعجِزُ الزَّمَنُ عَنْ إِعَادَةِ مَنْ نُحِبُّ، وَحِينَ

 لَا يَبقَى لِلرُّوحِ إِلَّا الدُّعَاءُ بِأَنْ يَكُونَ

 لِلقَدَرِ كَلِمَةٌ أُخرَى.

الشاعر سليمان ملحم. 

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة