معلقة من ظلام الجاهلية إلى نور الرسالة بقلم محمد علي باني
الفصل العشرون والأخير
الجزء الثالث؛ حين يتحول العلم إلى مسؤولية
مقدمة وجدانية
حين يستيقظ الوعي في الإنسان، يبدأ في طرح أسئلةٍ جديدة.
لماذا أتعلم؟
وماذا سأفعل بما تعلمت؟
وهل قيمة العلم في أن أعرف أكثر من غيري، أم في أن أكون أكثر نفعًا للناس؟
فالعلم الذي يملأ الرأس ولا يوقظ الضمير قد يتحول إلى مجرد تراكمٍ للمعلومات، أما العلم الذي يصل إلى القلب، فإنه يعيد تشكيل صاحبه.
إن الإنسان لا يُقاس بما يحفظه من الكتب فقط، ولا بعدد الشهادات التي يحملها، ولا بقدرته على الحديث في ميادين المعرفة، وإنما يُقاس أيضًا بما صنعت المعرفة منه.
هل جعلته أكثر تواضعًا؟
هل جعلته أكثر قدرةً على فهم الآخرين؟
هل جعله أقدر على حل المشكلات بدل صناعة الخصومات؟
هل دفعه إلى خدمة الحياة بدل استعمال المعرفة لإثبات تفوقه؟
فكل علمٍ لا يترك أثرًا في السلوك يبقى ناقصًا، وكل معرفةٍ لا تتحول إلى منفعةٍ قد تبقى حبيسة صاحبها.
ولذلك كان العلم عبر التاريخ أكثر من وسيلةٍ لمعرفة الأشياء؛ كان وسيلةً لصناعة الإنسان.
فحين عرف الإنسان أسرار الطبيعة، صنع الأدوات.
وحين فهم قوانين الكون، فتح أبوابًا جديدةً في المعرفة.
وحين توسعت علومه، تغيرت المدن، وتبدلت وسائل العيش، وتداخلت الأمم.
لكن كل تقدمٍ علمي كان يضع أمام الإنسان سؤالًا أكبر:
هل نستطيع أن نفعل، إذن هل نعرف كيف ينبغي أن نفعل؟
وهنا تبدأ المسؤولية.
القصيدة
العلمُ نورٌ، ولكنْ حينَ نحملُهُ
يُصبحْ علينا من التبعاتِ ميزانُ
ما كلُّ من حفظَ الأسفارَ عالِمُها
ولا كلُّ من قالَ قولَ العلمِ إنسانُ
إنَّ العلومَ إذا لم تُثمرِ القِيَمَ
صارَتْ سلاحًا، وفي استعمالِها شانُ
فالعقلُ إن لم يكن بالحقِّ مرتبطًا
قد يستوي عندَهُ ظلمٌ وإحسانُ
علِّمْ فؤادَكَ قبلَ العقلِ أنَّ يدًا
تبني الحياةَ، وأنَّ الهدمَ خسرانُ
واجعلْ علومَكَ للإنسانِ نافعةً
فخيرُ علمٍ هو العلمُ الذي يُعانُ
لا تجعلِ العلمَ بابًا للتعالي، فما
زادَ المعارفَ إلا زادَنا شأنُ
وكلما ازدادَ عقلُ المرءِ معرفةً
أدركَ كمْ في خفايا الكونِ نقصانُ
فالعلمُ يفتحُ أبوابًا، ومن فتحَتْ
لهُ الأبوابُ، فليحذرْهُ نسيانُ
أنَّ المعرفةَ إن لم تُهدِ صاحبَها
إلى التواضعِ، فالمعنى بها هَوانُ
وأنَّ من يحملُ الأقلامَ مسؤولٌ
عن كلِّ حرفٍ له في الناسِ تبيانُ
فالكلمةُ قد تزرعُ الآمالَ في بلدٍ
وقد تُثيرُ من الأحقادِ نيرانُ
فاخترْ لما تعلمتَ الطريقَ، فإنَّما
يُعرفُ فضلُ العلومِ حينَ تُصانُ
خاتمة الجزء
وهكذا يصبح العلم امتحانًا آخر للإنسان.
فكلما اتسعت دائرة معرفته، اتسعت معها دائرة مسؤوليته.
والذي يعرف أكثر، يُنتظر منه أن يفهم أكثر.
والذي يستطيع أكثر، يُنتظر منه أن ينفع أكثر.
والذي مُنح قدرةً على التأثير في الناس، يصبح مطالبًا بأن يسأل نفسه عن أثر ذلك التأثير.
وهنا تتضح قيمة العلم الحقيقية:
ليس أن يجعل الإنسان فوق الآخرين، وإنما أن يجعله أقدر على خدمة الآخرين.
وليس أن يمنحه غرور المعرفة، وإنما أن يكشف له اتساع ما يجهله.
فكل عالمٍ صادقٍ يعرف أن وراء كل جوابٍ أسئلةً جديدة، وأن الكون أوسع من أن تحيط به معرفة فرد، وأن الإنسان مهما بلغ من العلم يبقى طالبًا في مدرسة الحياة.
ومن هنا يصبح التواضع ثمرةً طبيعيةً للمعرفة الحقيقية.
فالعلم الذي يجعل صاحبه يرى نفسه كبيرًا قد زاده معلومات، لكنه لم يزده حكمة.
أما العلم الذي يجعله يرى عظمة الخلق، وحدود قدرته، وحاجته الدائمة إلى التعلم، فقد بدأ يصنع منه إنسانًا جديدًا.
لكن العلم وحده، مهما بلغ، لا يختار الطريق.
فالإنسان قد يعرف الخير والشر، ثم يقف بينهما مترددًا.
وقد يعرف الصواب، ثم يختار ما يوافق هواه.
وقد يمتلك من المعرفة ما يؤهله لصناعة أشياء عظيمة، لكنه يحتاج إلى قرارٍ يحدد كيف سيستعملها.
وهنا نصل إلى السؤال الذي يفتح بابًا جديدًا:
إذا كان العلم يمنح الإنسان القدرة، فمن الذي يحدد اتجاه هذه القدرة؟
تمهيد للجزء التالي
هناك لحظةٌ في حياة كل إنسان يصبح فيها أمام طريقين أو أكثر.
يعرف ما حوله، ويفهم النتائج، ويرى العواقب، ثم يبقى القرار في يده.
وهنا لا يعود السؤال:
ماذا أعرف؟
بل:
ماذا سأختار؟
ومن هنا تبدأ مرحلة أخرى من رحلة الإنسان:
الجزء الرابع: حين يصبح الاختيار موقفًا.
تعليقات
إرسال تعليق