معلقة من ظلام الجاهلية إلى نور الرسالة بقلم محمد علي باني

الفصل التاسع عشر


الجزء العاشر والأخير: حين يصبح الميراث أمانة


في نهاية الطريق، لا يبقى السؤال:


كم كان المجد الذي ورثناه؟


بل يبقى سؤالٌ أكثر صدقًا:


ماذا فعلنا به؟


فالميراث ليس مالًا فقط، ولا بيتًا، ولا اسمًا، ولا مكانةً اجتماعية.


قد يكون الميراث علمًا، أو تجربةً، أو قيمةً، أو موقفًا، أو كلمةً قالها صاحبها ثم بقي صداها في من جاء بعده.


وقد يكون سؤالًا لم يجد السابقون له جوابًا، فتأتي أجيالٌ جديدة لتواصل البحث عنه.


لهذا لا ينتقل المجد إلينا كاملًا؛ إنما تنتقل إلينا أمانته.


القصيدة


يا وارثَ المجدِ، إن المجدَ أمانةٌ

فاحملْ أمانتَهُ بالصدقِ والعملِ


ما المجدُ اسمًا على الأنسابِ نحفظُهُ

ولا حكاياتُ قومٍ تُروى في المحافلِ


المجدُ علمٌ، وقيمٌ، ثم تجربةٌ

وموقفٌ صادقٌ يبقى على المهلِ


وما الذي يتركُ الإنسانُ بعد رحيلهِ

إلا أثرًا طيبًا في القلبِ والعملِ؟


ليس الذي ورثتْهُ الكفُّ من ذهبٍ

هو البقاءُ، ولا ما كان من منزلِ


لكنْ أثرٌ في قلوبِ الناسِ تتركُهُ

وعلمُ صدقٍ، ونورٌ يهدي السُّبُلِ


فإنْ حملتَ أمانةَ من مضوا

فكنْ أمينًا، وزِدْ في البناءِ ما استطعتَ


فالمجدُ يبدأ حين يصحو الوارثُ

ويعلمُ أن الميراثَ ليس له وحدهُ


إنما هو عهدٌ بين ماضٍ مضى

وحاضرٍ مسؤولٍ عن غدٍ لم يأتِ


خاتمة الفصل التاسع عشر


المجد لا ينتقل إلينا كاملًا؛ إنما تنتقل إلينا أمانته.


فإذا كان الماضي قد أعطانا الاسم، فإن الحاضر يطلب منا المعنى، والمستقبل ينتظر منا الأثر.


وهنا ينكشف المعنى الحقيقي للميراث:


ليس أن نقول:


كان آباؤنا عظماء.


بل أن نستطيع يومًا أن نقول:


حملنا ما تركوه لنا، ثم أضفنا إليه ما يستحق أن يبقى.


فالأجيال لا تعيش منفصلةً عن بعضها؛ كل جيلٍ حلقةٌ في سلسلةٍ طويلة، يستلم أمانةً ممن سبقه، ثم يسلّمها إلى من يأتي بعده.


وإذا كان الميراث هو ما وصل إلينا من الذين مضوا، فإن الأثر هو ما سيصل منّا إلى الذين لم يولدوا بعد.


وهنا يتغير السؤال الأخير.


لم يعد:


ماذا ورثت؟


ولا:


ماذا فعل الذين سبقوني؟


بل:


ماذا سأترك؟


ذلك هو الامتحان الحقيقي.


فقد يرث الإنسان مجدًا ولا يكون جديرًا به، وقد يرث القليل ويترك أثرًا لا يزول.


والعبرة ليست بما وُضع في أيدينا، وإنما بما صنعت أيدينا بما وُضع فيها.


وهكذا ينتهي امتحان الميراث، ليبدأ امتحان الأجيال.


ويبقى لكل واحدٍ منا، مهما كان اسمه ومقامه وما ورثه، سؤالٌ لا يستطيع الزمن أن يجيب عنه نيابةً عنه:


حين يأتي من بعدي، ماذا سيجدني قد تركت؟


التوقيع الشعري 


أنا إبن حرف إذا ما لامس الألم 

نبض الحنين به،  وارتد ملتهما 


بقلم محمد علي باني 


تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة