حين ينتصر الضوء على ممالك العتمة  بقلم سليمان شاحوذ علي

ما كل فجر يجيء من الشرق، فبعض الصباحات تولد من قلب العواصف، وبعض الضياء يشق طريقه من شقوق الأرواح التي ظنتها الليالي قد انطفأت؛ هناك، حيث يمد الحزن أستاره على النوافذ، تنهض إرادة لا تعرف الانحناء، وتغسل وجه الأيام بماء الصبر، فلا يغريني بريق الوهم إن تلألأ، ولا ترهبني سطوة الظلام إن تجبر، فقد تعلمت أن النجوم لا تعرف قدر نورها إلا حين يشتد السواد، وأن الشجرة التي عاندت الريح لا تخشى خريفها، وأن القلب الذي ذاق مرارة الخذلان لا يموت، بل يعيد ترتيب نبضه على إيقاع الحكمة. يا صاحبي، ليس المجد أن تمضي في دروب العمر دون أن تتعثر، بل أن تنهض وفي روحك من الجراح ما يكفي لإسقاط جبال، ثم تبتسم كأنك لم تعرف للانكسار بابا؛ وليس النبل أن تمنح الود لمن يبادلك الود، بل أن تصون صفاءك حين تتكاثر حولك الأقنعة، وأن تظل أمينا لجوهر روحك حين يساومك العالم على نقائك. دعهم يقرؤون صمتك كما يشاؤون، ويحسبون هدوءك هزيمة، وانسحابك انكسارا، فما كل من آثر الصمت عاجز عن الكلام، ولا كل من غادر الساحة خسر المعركة؛ فقد يكون الصمت مهابة، والابتعاد نجاة، والتغاضي انتصارا لا تدركه العيون القصيرة. أنا لا أستجدي من الأمس اعتذارا، ولا أطرق أبوابا أغلقت قلوبها قبل أقفالها، ولا أسترد من الذاكرة وجوها اختارت أن تكون عابرة؛ فقد أدركت أن بعض الراحلين يتركون فينا فراغا، لكنهم يتركون خلفهم أيضا مساحة لننمو، وأن بعض الخيبات ليست نهاية الطريق، بل بداية البصيرة. سأمضي، وفي صدري وطن لا تهزمه المنافي، وفي عيني حلم لا تطفئه المسافات، وعلى شفتي دعاء يرمم ما عجزت الأيام عن ترميمه؛ سأزرع الورد في الجهات التي مر بها وجعي، وأمنح الحياة وجها لا يشبه قسوتها، وأجعل من كل ندبة نافذة، ومن كل عثرة درجة، ومن كل ليل حجة جديدة على أن الفجر لا يستأذن العتمة كي يولد. فإن سألوني عن سر بقائي واقفا، قلت: لأنني لم أخلق لأكون صدى لانكسارات الآخرين، ولا ظلا في جدار الخوف، بل خُلقت لأكون نفسي، حين تتبدل الوجوه، ويضيق الطريق، وتختبر الحياة آخر ما بقي في الروح من يقين؛ فليعبر العمر بما شاء، ولتتبدل الفصول كما تشاء، سيبقى في داخلي ضوء لا تملكه العواصف، وقلب إذا أوجعته الحياة ازداد إنسانية، وإذا خذله الناس ازداد عزة، وإذا طال ليله آمن أن للفجر موعدا لا تخلفه السماء.

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة