ليس كل ما يولد من الجسد يغادره؛ فثمة أشياء تخرج من الرحم لتسكن الروح، وثمة أرواح تظل معلقة بأجسادنا، حتى حين تقطع الحياة آخر خيوط اللقاء.
بصمة الروح وختم الجسد. بقلم الجباري نورالدين
حين تنتهي الولادة، ولا تنتهي الأمومة
الجزء الأول: الرحم.. الوطن الذي سبق العالم
ليس كل ما يولد من الجسد يغادره؛ فثمة أشياء تخرج من الرحم لتسكن الروح، وثمة أرواح تظل معلقة بأجسادنا، حتى حين تقطع الحياة آخر خيوط اللقاء.
في أعماق المرأة ذاكرة لا تشبه الذاكرة؛ لا تحفظ الصور والتواريخ، بل تحفظ الارتعاشة الأولى، والنبض الغريب الذي تحول إلى جزء من نبضها، والكائن الذي عاش في عتمتها تسعة أشهر، يتغذى من دمها، وينمو من صبرها، ويقتسم معها الحياة قبل أن يعرف اسمها.
الرحم ليس ممرا بيولوجيا يعبره الإنسان إلى الوجود، بل هو أول وطن يسكنه، وأول سر يربطه بحياة لم يخترها، وأول حضن يتعلم فيه معنى الأمان دون أن يعرف معنى الخوف.
هناك، قبل اللغة والاسم والصورة، تتشكل علاقة في صمت مطلق؛ علاقة لا تحتاج إلى وعد، ولا تعترف بالمسافة، ولا تعرف الغياب، لأن أحد طرفيها لم يتعلم بعد كيف يبتعد.
إنها رابطة تسبق الوعي، وتتجاوز حدود المعرفة، وتكتب في أعماق الكائن أول سطر من حكايته، قبل أن يمتلك القلم الذي سيكتب به مصيره.
فما أعمق أن يبدأ الإنسان حياته محمولا، قبل أن يتعلم الوقوف، ومحاطا بالحب قبل أن يتعلم تسميته، ومحفوظا في جسد آخر قبل أن يدرك أن له جسدا مستقلا.
إننا لا نولد أفرادا مكتملين، بل نولد علاقات تبحث عن شكلها، وحاجات تبحث عمن يلبيها، وأسئلة صامتة لا تجد جوابها إلا في دفء الاحتضان.
ولعل أول حقيقة يكتشفها التأمل في الأمومة أن استقلال الإنسان ليس نقطة البداية، بل ثمرة مسار طويل يبدأ بالاعتماد وينمو عبر الانفصال.
فالإنسان الذي يتباهى باستقلاله نسي، أو تناسى، أنه بدأ عاجزا عن حماية نفسه، وأن حياته الأولى كانت هبة من جسد آخر.
وإذا كان لكل وطن حدود جغرافية، فإن الوطن الأول لا تحده الخرائط؛ إنه يسكن الذاكرة، ويتوارى في الانفعالات، ويظهر كلما بحثت الروح عن ملاذ يشبه البدايات.
لهذا قد يمضي الإنسان بعيدا عن أمه، ويعبر المدن والبحار، ويغير لغته وملامح حياته، لكنه يحمل في أعماقه شيئا لا تغادره الجغرافيا.
إنه أثر البداية، لا بوصفه قيدا أبديا، بل بوصفه الجذر الذي يذكر الشجرة بأنها لم تنبت من فراغ.
فهل يغادر الإنسان رحم أمه حقا، أم يقضي عمره كله يحاول فهم الوطن الأول الذي خرج منه؟
وهل تكون البداية مجرد لحظة انقضت، أم أنها زمن خفي يواصل الكتابة فينا كلما ظننا أن الصفحة قد طويت؟
إن بعض الحقائق لا تصرخ في الوعي، بل تهمس في أعماقه، ولا تفرض حضورها بالقوة، بل تكشف نفسها حين نصغي إلى ما وراء الظاهر.
وهكذا يصبح الرحم أكثر من عضو في الجسد؛ يصبح استعارة للمنشأ، ورمزا للحماية الأولى، وشاهدا على أن الحياة تبدأ في علاقة قبل أن تتعلم معنى الفردية.
وما الإنسان، في أحد أبعاده العميقة، إلا كائن يحمل وطنه الأول داخله، حتى حين يعجز عن العودة إليه.
ذلك الوطن الذي لا نراه، لكننا نتلمس حدوده في خوفنا من الفقد، وفي توقنا إلى الطمأنينة، وفي حاجتنا إلى حب لا يطالبنا كل مرة بإثبات أننا نستحقه.
وهنا تبدأ الحكاية الحقيقية: لا حين يخرج الجسد من الرحم فحسب، بل حين تبدأ الروح رحلتها الطويلة لفهم ما تركته فيها البدايات.
تعليقات
إرسال تعليق