مقامات المقام الثاني: الأمانة  محمود عمران


الأمانة ليست ما نحفظه، بل ما نخشى أن نضيعه.

ليست ما نحمله، بل ما يحملنا، ويثقل خطواتنا حين نبتعد عن الصدق.

هي ذلك الصوت الذي اكتشفناه في المقام الأول، حين يتحول من همس داخلي إلى مسؤولية تفرض نفسها على الورق.

لأن الصوت بلا أمانة يصبح صدى، لا حضورًا.

فالكلمة التي تشبه صاحبها، ليست لعبة لغوية، بل وديعة.


الكاتب الحقيقي يعرف أن حبره لا يكتب لنفسه فقط.

يعرف أن هناك عينين خلف السطور، تنتظران اكتشافاً، أو مرآة، أو يداً تمتد في العتمة.

وأن الكذب في الكتابة، مهما كان لبقاً، هو خيانة لتلك العيون، ولهذا الصوت الذي تعب الكاتب طويلاً كي يجده.


الأمانة ليست أن تقول الحقيقة كاملة،

فأنت لا تملك الحقيقة كاملة.

الأمانة أن تقول ما رأيته بعينيك، وما شعرت به في قلبك، دون أن تدّعي أنك تملك السماء.

أن تكتب جرحك، دون أن تنتقم من أحد.

وأن تكتب خوفك، دون أن تبحث عمّن يطمئنك.

أن تكتب خيبتك، دون أن تشوه صورة الذين خيبوك.

أن تشهد على زمنك، دون أن تبيع نفسك لزمن آخر.

أن تكتب ما ترك أثره فيك، لا ما يترك أثره في الآخرين.

فالكتابة التي تُرضي الجميع تخون صاحبها أولاً،

والكتابة التي تُرضي صاحبها وحده، تجد طريقها إلى الجميع في النهاية.


في هذا المقام، تكتشف أن الكتابة الصادقة ليست شجاعة فقط، بل أمانة.

وأن الشجاعة قد تكون اندفاعاً، أما الأمانة فهي مسؤولية.

أن تتحمل وقع الكلمات التي كتبتها، وأن تعيش وفقاً لما دعوت إليه، ولو كلفك ذلك أن تقف وحدك أمام نفسك، في الغرفة المغلقة، بلا أقنعة.


وحين تصل إلى هذا الوعي،

لا يعود الصوت مجرد تعبير، بل يصبح عهداً.

عهداً بأن الكلمة لن تُستخدم للتزييف، ولا للتجميل، ولا للابتزاز.

عهداً بأن ما يُكتب على الورق، هو ما يستطيع الكاتب أن يدافع عنه حتى في وجه نفسه.

لأن الأمانة لا تُختبر أمام الناس، بل أمام اللحظة التي نكون فيها وحدنا مع الكلمة.

أن تكتب وكأن أحداً لن يقرأ، ثم تترك النص يذهب إلى العالم وكأن العالم كله ينتظر ما ستقول.


لأن الأمانة في الكتابة،

ليست أن تكون معصوماً،

بل أن ترفض أن تكون مزيفاً.

وأن تعرف أن الكلمة التي لا تحمل أمانة،

هي مجرد صوت، بلا روح.



تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة