معلقة الحدود التي فرقت الشعوب بقلم محمد علي باني

الفصل السادس


ذاكرة الأرض


كانت الأرض تحفظ ما ينساه الإنسان.


تحفظ وقعَ الأقدام في الطرق القديمة،

وتحفظ أسماءَ الذين مرّوا ثم غابوا،

وتحفظ جذوعَ الأشجار التي شهدت ولادة الأطفال،

وحزنَ الأمهات،

وفرحَ العائدين.


كان في أطراف القرية بيتٌ قديم.


جدرانه متعبة،

وبابه الخشبي أكلت أطرافَه السنون،

لكن عتبتَه بقيت ثابتة.


كان أهل القرية يقولون إن هذا البيت

أقدم من الحدود.


وأن الجدَّ الأكبر

كان يدخل إليه من طريقٍ صار اليوم خلف الخط.


لم يكن البيت يعرف شيئًا عن ذلك.


فالبيت لا يفهم الخرائط.


كان يعرف فقط

أن أقدامًا كثيرةً عبرت عتبته.


وعلى جدارٍ داخلي

كانت هناك صورةٌ قديمة.


رجلٌ وامرأةٌ وطفلان.


لم يكن أحد يعرف اليوم

إلى أي جهةٍ ينتمي أحفادهم.


لكن الصورة كانت تقول شيئًا أبسط:


كانوا عائلة.


وبالقرب من البيت

كانت شجرة زيتون ضخمة.


قال الشيوخ إن عمرها مئات السنين.


كان جذعها عريضًا،

وأغصانها تمتد في كل اتجاه،

حتى إن ظلها في بعض ساعات النهار

كان يصل إلى الطريق القريب من الحدود.


كانت الشجرة قد شهدت كل شيء.


رأت الناس يعبرون.


رأت الحقول تُزرع.


رأت الأطفال يكبرون.


رأت بعضهم يعودون،

ورأت آخرين لا يعودون.


ثم رأت الخطَّ يظهر.


في البداية لم تهتم.


كانت أوراقها تتحرك مع الريح،

وثمرها ينضج في موسمه.


لكن الناس بدأوا يقولون:


هذه الشجرة لنا.


وقال آخرون:


بل هي لنا.


ضحكت الشجرة في صمتها.


فهي كانت تعرف شيئًا لا يعرفه البشر:


أن جذورها لا تقف عند الخط.


كانت جذورها تحت الأرض

تمتد في المكان كله.


لم يكن أحد يستطيع أن يقول:


هذا الجذر لنا...


وهذا لغيرنا.


فالجذر لا يقرأ الخرائط.


يا أرضَنا، يا ذاكرةَ الأيامِ

من ذا يملكُ ما احتوتْهُ من عظامِ؟


فيكِ المقابرُ لا تسألُ راقدًا

عن اسمِ قومٍ أو حدودِ مقامِ


فيكِ الذينَ مضوا تركوا خطاهمُ

فوقَ الترابِ، كأنها أحلامُ


فيكِ البيوتُ القديمةُ احتفظتْ بما

قالتهُ الأبوابُ من أسرارِ


وفيكِ زيتونةٌ تقولُ لمن يرى:


أنا قبلَ الخطِّ...


فلا تسألْ عن انتمائي.


كانت المقبرةُ تقع في مكانٍ مرتفع.


قبورٌ كثيرة.


بعضها قديمٌ جدًا.


وكانت شواهد القبور قد تآكلت من المطر.


في بعضها أسماءٌ لم يعد أحد يعرفها.


وفي بعضها تواريخٌ غطاها الزمن.


كان شابٌّ يزور قبر جدّه.


جلس بجانبه.


ثم أخرج من جيبه ورقةً عليها خريطة.


نظر إلى القبر.


ثم إلى الخريطة.


فوجد شيئًا غريبًا.


القبر كان موجودًا قبل أن تُرسم الحدود الحالية.


فقال في نفسه:


إذا كان جدي هنا قبل هذه الخطوط،

فكيف أستطيع أن أجعل الخطَّ أقدم من جدي؟


طوى الخريطة.


ووضعها جانبًا.


ثم لمس التراب.


كان باردًا.


لكنه شعر كأنه يسمع صوتًا بعيدًا.


صوت الذين سبقوه.


وكأن الأرض تقول:


لا تجعلني سببًا في كراهية أخيك.


أنا حملتكم جميعًا.


حملتُ من أحببتَ ومن لم تعرف.


حملتُ من اختلف معك ومن اتفق.


وفي النهاية...


سأحملكم جميعًا.


ارتجف الشاب.


ثم قام.


ومنذ ذلك اليوم،

صار ينظر إلى الأرض بطريقةٍ مختلفة.


لم يعد يرى الحدود وحدها.


صار يرى ما تحتها.


ويرى تاريخًا لا تستطيع الخريطة أن تمحوه.


فالحدود قد تتغير.


والرايات قد تتبدل.


والأسماء قد تتغير.


لكن الأرض تحفظ خطوات الذين عاشوا عليها.


ولهذا كانت الذاكرة أخطر من الخط.


لأن الخطَّ يمكن أن يُرسم.


أما الذاكرة

فلا تُرسم بسهولة.


لكن الذاكرة نفسها يمكن أن تكون رحمةً أو نارًا.


فإذا حفظ الإنسان ماضيه

ليتعلم منه،

صارت الذاكرة نورًا.


وإذا حفظه

ليبحث عن ثأرٍ جديد،

تحولت الذاكرة إلى سكين.


وهنا كانت المأساة.


فبعض الناس لم يرثوا الأرض فقط.


ورثوا معها غضبًا قديمًا.


ورثوا أسماءً لأشخاص لم يروهم.


ورثوا خصوماتٍ لم تبدأ في زمنهم.


ورثوا قصصًا عن دمٍ قديم،

ثم كبروا وهم يظنون أن الدم يطلب دمًا.


وكان عليهم أن يختاروا:


هل يكون الماضي معلّمًا؟


أم يكون سيدًا؟


وفي مساءٍ هادئ،

مرَّ رجلٌ مسنٌّ بجانب الزيتونة.


وقف أمامها.


وضع يده على جذعها.


وقال:


كم عرفتِ منّا؟


ثم ابتسم وقال:


أكثر مما نعرف عن أنفسنا.


كانت الشجرة صامتة.


لكن أوراقها تحركت.


وسقطت ورقةٌ صغيرة عند قدميه.


فقال:


فهمت.


أنتِ تقولين إن الإنسان ينسى...


أما الأرض فلا تنسى.


ثم تابع طريقه.


وخلفه بقيت الزيتونة.


جذورها في الأرض،

وأغصانها في السماء.


لا تسأل من أي جهةٍ جاء المطر.


ولا من أي جهةٍ جاءت الشمس.


ولا لأي شعبٍ ينتمي التراب الذي يشربه جذرها.


وفي تلك اللحظة،

بدأ رجلٌ آخر يفكر في الحدود بطريقةٍ مختلفة.


فقد أدرك أن الخطَّ ليس أخطر ما في الحدود.


الأخطر أن يتحول الخوف إلى حارسٍ دائم لها.


حارسٌ لا ينام.


حارسٌ لا يحمل بندقية.


بل يسكن في عقل الإنسان.


ومن هنا...


كانت الحكاية تقترب من أخطر فصولها:


حين يصبح الخوف حارسًا للحدود


تأليف 




تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة