لا تقربوا هذا الكتاب بقلم محمد علي باني


في الليلة التي سبقت تتويج الأمير، لم تنم المملكة.

كانت الأعلام تتدلّى من شرفات القصر، والمشاعل تملأ الساحات، وصنّاع الذهب يضعون اللمسات الأخيرة على التاج الذي انتظرته الأسرة الحاكمة ثلاثة أجيال. وفي المدينة، انشغل الناس بتجهيز الولائم، بينما انشغل رجال القصر بما هو أهم في نظرهم: التأكد من أن كل باب مغلق، وكل حارس في موضعه، وكل سرّ بعيد عن أعين الغرباء.


لكن القصور لا تعرف أن الخطر الأكبر قد يدخلها من المكان الذي اعتادت أن تطمئن إليه.


عند منتصف الليل، استيقظ أمين الخزانة الأكبر على صوت ثلاث طرقات متباعدة. لم تأتِ من باب غرفته، بل من الجدار الذي يفصلها عن الممر المؤدي إلى الأقبية القديمة. كان يعرف ذلك الجدار جيدًا؛ فقد أمضى أربعين عامًا في خدمة القصر، ولم يسمع يومًا صوتًا يأتي منه.


أشعل مصباحه، وخرج مترددًا.


لم يجد أحدًا في الممر، غير أن الأرض كانت تحمل أثرًا غريبًا: غبارًا أسود مرسومًا على هيئة دائرة، وفي وسطها علامة تشبه عينًا مغلقة.


لم يجرؤ على لمسها.


فقد رأى العلامة ذاتها قبل ثلاثين عامًا، يوم أُغلقت المكتبة القديمة بأمر ملكي، بعد اختفاء ثلاثة من علمائها في ليلة واحدة.


عاد إلى غرفته، وأخرج من صندوقه مفتاحًا صغيرًا ظلّ يخفيه منذ شبابه. لم يكن المفتاح من ذهب ولا فضة، بل من معدن داكن لا يصدأ، نُقشت على رأسه كلمات بلغة لم يعد أحد في المملكة يعرفها.


وكانت أمّه قد سلّمته إليه قبل وفاتها، مع وصيّة واحدة:

«إذا سمعت ثلاث طرقات من وراء جدار، فلا تفتح الباب الذي تعرفه، بل ابحث عن الباب الذي لا تراه.»


لم يفهم الوصيّة يومها، وظنّ أنها بقايا خرافة ورثتها أسرته عن أجداد خدموا القصر قبل قيام المملكة.


أما الآن، فقد أدرك أن أمه لم تكن تخاف على حياته من باب يُفتح، بل من حقيقة قد تدخل معه ولا تخرج أبدًا.


توجّه إلى الأقبية.


وجد الأبواب الستة في أماكنها، والأقفال سليمة، والأختام الملكية لم يمسسها أحد. لكن أمام الباب السابع، الذي لم يكن يظهر إلا في خرائط قليلة محفوظة لدى الملوك، كان هناك شيء لم يره في حياته قط.


ظلّ رجل يقف مواجهًا للحائط.


لم يكن له وجه ظاهر، ولم يكن يحمل مصباحًا، ومع ذلك كان ظله يمتدّ خلفه حتى لامس قدمي أمين الخزانة.


رفع الأمين المفتاح، وقبل أن ينطق، جاءه صوت من الجهة


 الأخرى للحائط:

«تأخرتَ كثيرًا.»

تجمّد في مكانه.


لم يكن الصوت صوت الرجل الواقف أمامه.

بل كان صوت أمّه، التي دُفنت منذ سبعة وعشرين عامًا.

وعندما رفع المصباح ليرى وجه الظل، اختفى الرجل،وظهر على الحائط سطر لم يكن هناك قبل لحظة:


«ليس كلُّ بابٍ مغلقٍ يمنع الدخول؛ بعض الأبواب يمنع الحقيقة من الخروج.»


وفي اللحظة نفسها، دوّى جرس القصر.

لم يكن جرس منتصف الليل، بل جرس إعلان وفاة الملك.

لكن الملك، في تلك الساعة نفسها، كان لا يزال حيًّا في فراشه.


بقلم محمد علي باني


تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة