الحماقة تتحدّث  والضمير يصفّق بقلم فنجان الزناني

اكتشفتُ، بعد سنواتٍ من مراقبة السلوك البشري، أنّ الإنسان ليس كائنًا عاقلًا كما يزعم، بل كائنٌ يمتلك عقلًا، ويستعمله غالبًا لتفسير الأسباب التي جعلته يتصرّف بلا عقل.

والدليل أنّنا نستطيع ارتكاب الحماقة بكل عفوية، ثم نستدعي كامل طاقتنا الذهنية لنثبت أنّ ما حدث لم يكن حماقةً أصلًا، بل قرارًا استراتيجيًّا لم يفهمه المحيطون بنا بسبب محدودية أفقهم. نحن لا نخطئ، في الغالب؛ إنّما نتخذ قراراتٍ عبقريةً في ظروفٍ لا تقدّر العبقرية حقّ قدرها.

خذ مثلًا ذلك الشخص الذي يتأخر عن موعدك ساعةً كاملة، ثم يصل إليك غاضبًا لأنك لم تحسن استقباله. إنّه لا يرى نفسه متأخرًا؛ بل يرى أنّ الزمن تسرّع في غيابه، وأنّ الساعة ارتكبت تجاوزًا غير مبرّر في حقّه. وإذا سألته عن السبب، أخبرك بأنّ الظروف كانت معقّدة.

والظروف، بالمناسبة، هي أكثر موظفي هذا العالم إخلاصًا؛ تتحمّل مسؤولية أخطاء الجميع، ولا تطلب إجازةً، ولا تتقاضى راتبًا، ولم يسبق لها أن رفعت دعوى قضائية ضدّ أحد. أمّا نحن، فنحتفظ ببراءتنا كاملةً، ونترك للظروف شرف تحمّل العواقب.

ومن هنا، يبدو أنّ الإنسان لم يكتفِ باختراع الأعذار، بل طوّر لها منظومةً فكريةً متكاملة، تسمح له بارتكاب الخطأ صباحًا، وتحليله ظهرًا، وتبريره مساءً، ثم النوم مطمئنًّا لأنّه اقتنع أخيرًا بأنّ المشكلة كانت في الآخرين.

ولو عُرضت بعض تصرّفاتنا أمام محكمةٍ محايدة، لاحتجنا إلى قصر عدلٍ أكبر من ميزانية الدولة، وإلى قضاةٍ يتمتعون بأعصابٍ فولاذية، لأنّ المتهم في هذه المحكمة لا يعترف بسهولة، بل يتحوّل فجأةً إلى محامٍ بارع، يقدّم المرافعات، وينتقي الشهود، ويطعن في الأدلة، ثم يطالب بتعويضٍ نفسيّ عن الضرر الذي لحق بسمعته بسبب اكتشاف جريمته!

يُضبط متلبّسًا بالكذب، فيقول إنّه لم يكذب، بل اختار ألّا يزعج الآخرين بكلّ التفاصيل. ويُضبط متلبّسًا بالبخل، فيعلن أنّه يمارس الاقتصاد المستدام. ويُضبط متلبّسًا بالغرور، فيؤكّد أنّه لا يعاني إلا من ارتفاعٍ طفيف في تقدير الذات، وهي حالةٌ لا يُرجّح شفاؤها ما دام المريض يرفض الاعتراف بأنّه مريض أصلًا.

أمّا إذا أساء إلى شخصٍ ما، فإنّه لا يعتذر مباشرةً؛ بل يشرح له بالتفصيل كيف أنّه هو الذي اضطرّه إلى الإساءة إليه، حتى ينتهي الأمر بالضحية وهي تعتذر للجاني عن الجرح الذي أصابها! وهكذا تبلغ العدالة الإنسانية ذروة تطوّرها: المتهم يكتب المرافعة، والضحية تُستدعى لتفسير سبب استفزازها للجاني، ثم تُرفع الجلسة بعد الاتفاق على أنّ الجميع أخطأوا، لكنّ شخصًا واحدًا فقط كان مضطرًّا إلى ذلك.

إنّها موهبةٌ تستحقّ الدراسة فعلًا: كيف يستطيع الإنسان أن يرتكب الخطأ، ثم يحوّله إلى شهادة تقديرٍ معلّقة على جدار شخصيته؟

البخيل لا يبخل؛ إنّه يحترم المال. والكسول لا يتكاسل؛ إنّه يرفض استنزاف طاقته في أنشطةٍ غير ضرورية. والعنيد لا يعترف بالخطأ؛ إنّه ثابتٌ على مبادئه. والثرثار لا يصمت؛ إنّه يمتلك ثروةً لغويةً يعجز الآخرون عن استيعابها. أمّا الشخص الذي يتدخّل في شؤون الجميع، فهو خبيرٌ اجتماعيّ يعمل دون أجر، وإن كان المجتمع كلّه يتمنّى لو يتقاعد مبكرًا.

ولو استمررنا بهذا المعدّل، فسيصبح الغضب قيادةً حازمة، والانتقام استعادةً للحقوق، والتسلّط قوّةَ شخصية، والتهرّب من المسؤولية إدارةً ذكيةً للمخاطر. وسيكون بوسع أيّ شخصٍ أن يكتب سيرته الذاتية دون أن يذكر عيبًا واحدًا، لا لأنّه بلا عيوب، بل لأنّه وظّفها جميعًا تحت مسمّياتٍ إدارية جديدة.

والمثير أنّ هذه القدرة على تلميع الذات لا تتوقف عند حدود الأفعال؛ بل تمتدّ إلى الأفكار والآراء أيضًا. فبعض الناس لا يحتاجون إلى دليلٍ كي يقتنعوا بأنّهم على صواب؛ يكفي أن يختلف معهم أحدٌ حتى يشعروا بأنّهم اكتشفوا مؤامرةً دولية تستهدف عقولهم النادرة.

إذا ناقشتهم، اتهموك بالتعقيد. وإذا قدّمت دليلًا، قالوا إنّك تفتقر إلى التجربة. وإذا استعنت بالتجربة، أخبروك أنّ لكلّ إنسانٍ وجهة نظر. وإذا احترمت وجهة نظرهم، اعتبروا ذلك اعترافًا ضمنيًّا بانتصارهم. أمّا إذا صمتَّ، فإنّهم يعلنون أمام الحاضرين أنّك لم تجد جوابًا.

أنت هنا أمام مباراةٍ رياضية وضع فيها الخصم القوانين، واختار الحكم، وحدّد النتيجة، ثم طلب منك أن تلعب بنزاهة. وإذا خسر، فالمشكلة في التحكيم؛ وإذا فاز، فالمشكلة أنّك لا تعرف كيف تخسر؛ وإذا انسحبت، فذلك دليلٌ قاطع على أنّه كان على حقّ منذ البداية.

إنّه نظامٌ مغلق لإنتاج الانتصارات الوهمية، يعمل بالطاقة المتجدّدة المستمدّة من الثقة المفرطة بالنفس. ولو وُزّعت الجوائز على أصحاب هذا النوع من العبقرية، لاحتجنا إلى منصة تتّسع للجميع، مع تخصيص جائزةٍ إضافية لمن يشرح للجنة التحكيم لماذا كان يستحقّ المركز الأول حتى قبل انطلاق المسابقة.

لكنّ السؤال الذي يفرض نفسه هنا هو: لماذا نبذل كلّ هذا الجهد في الدفاع عن أخطائنا، بينما يمكننا ببساطة أن نعترف بها وننتهي من الأمر؟

يبدو أنّ المشكلة أعمق من مجرّد الرغبة في الظهور بمظهرٍ حسن؛ فالاعتراف بالخطأ قد يُربك الصورة التي رسمناها لأنفسنا. نحن نحبّ أن نرى أنفسنا عادلين، حكماء، أوفياء، وأصحاب مبادئ؛ ولذلك يصبح من الصعب علينا أحيانًا تقبّل أنّنا ظلمنا، أو أخفقنا، أو تصرّفنا بأنانية. فنفضّل تعديل الرواية على تعديل السلوك، لأنّ تغيير الكلمات أسهل بكثير من تغيير الإنسان.

ومن هنا نفهم لماذا تتحوّل كلمة «أخطأت» إلى مشروعٍ شاقّ يحتاج إلى مفاوضاتٍ طويلة. فبعض الناس يشعرون أنّ الاعتذار يتطلّب منهم التنازل عن ممتلكاتهم، وإخلاء مناصبهم، وتسليم مفاتيح كبريائهم إلى السلطات المختصة.

لذلك ابتكروا بدائل أكثر راحةً: بدلًا من «أنا آسف»، يقولون: «أنت حساس أكثر من اللازم». وبدلًا من «لقد ظلمتك»، يقولون: «أنت لم تفهم قصدي». وبدلًا من «كان ينبغي ألّا أفعل ذلك»، يقولون: «دعنا ننسى الماضي».

لاحظوا العبقرية: هو الذي ارتكب الفعل، وأنت الذي لم تفهم، ثم يُطلب منك أن تنسى الماضي كي يتمكّن هو من تكراره في المستقبل دون إزعاجٍ من الذاكرة.

إنّه لا يرفض الاعتذار؛ إنّه فقط ينتظر أن تتطوّر اللغة العربية فتخترع صيغةً جديدةً تعفيه من المسؤولية، وتحافظ على صورته أمام نفسه، وتمنحه في الوقت ذاته حقّ الحديث عن أخلاق الآخرين.

ومع ذلك، سيكون من الظلم أن نزعم أنّ كلّ من يبرّر موقفه مخادع، أو أنّ كلّ من يدافع عن نفسه مذنب؛ فالإنسان قد يُساء فهمه فعلًا، وقد تكون له أسبابٌ وجيهة، وقد يختلف الناس في تفسير المواقف. لكنّ الفارق بين التفسير والتبرير يشبه الفارق بين الطبيب الذي يبحث عن سبب المرض، والمريض الذي يصرّ على أنّ التحاليل هي التي تعاني من مشكلةٍ في الشخصية.

الأول يريد أن يعرف ما حدث كي يعالجه، والثاني يريد أن يثبت أنّه سليم حتى لو اضطرّ إلى اتهام المختبر بالتآمر عليه.

ولعلّ الاختبار الأبسط لكشف هذه المفارقة هو أن يسأل المرء نفسه: عندما أختلف مع شخصٍ ما، هل أبحث فعلًا عن الحقيقة، أم أبحث عن انتصارٍ يثبت أنّني كنت محقًّا منذ البداية؟ وعندما أنتقد سلوكًا لدى الآخرين، هل أرفضه لأنّه خاطئ في ذاته، أم لأنّني لا أحبّ أن يصدر عنهم تحديدًا؟

إذا أجبت عن السؤالين بسهولةٍ مفرطة، فلا تتعجّل في الاحتفال بنضجك الفكري؛ فقد يكون محاميك الداخلي قد تدخّل مجددًا، وطلب تأجيل التحقيق إلى أجلٍ غير مسمّى.

أمّا إذا اكتشفت أنّك أخطأت في بعض المواقف، فلا داعي إلى الذعر. لن تُسحب منك الجنسية الإنسانية، ولن تُحذف صورتك من سجلّ العقلاء. كلّ ما في الأمر أنّك ستضطرّ إلى التخلّي عن امتيازٍ وهميّ كنت تمنحه لنفسك: امتياز أن تكون الاستثناء الوحيد بين البشر الذي لا يحتاج إلى مراجعة.

فالنضج ليس أن تصبح إنسانًا لا يخطئ، بل أن تتخلّص تدريجيًّا من الحاجة إلى اختراع قصةٍ جديدة كلّما أخطأت. وليس المطلوب أن تتحوّل إلى قاضٍ دائم على نفسك، بل ألّا تتحوّل إلى محامٍ دائم عنها.

وفي النهاية، تخيّلوا إنسانًا قضى سنواتٍ طويلةً في الدفاع عن أخطائه، حتى أتقن بناء الحجج، واختيار الكلمات، وتفسير المواقف، وتوزيع المسؤوليات. لقد ربح معظم نقاشاته، وأفحم كثيرًا من خصومه، وحافظ على صورةٍ متماسكة أمام الناس.

لكنّه لم يغيّر شيئًا في نفسه.

فهل انتصر حقًّا؟

ربما انتصر في كلّ قضيةٍ خاضها، لكنّه خسر الفرصة التي كانت تمنحه إياها كلّ قضية: أن يعرف نفسه بصورةٍ أدقّ، وأن يصحّح ما يحتاج إلى التصحيح، وأن يصبح أفضل ممّا كان عليه.

فالإنسان لا يُهزم دائمًا حين يثبت الآخرون أنّه مخطئ؛ قد يُهزم حين يصبح بارعًا إلى درجةٍ تمنعه من اكتشاف خطئه بنفسه.

ولهذا أقترح تعديلًا بسيطًا على قوانين الحياة: كلّما شعرتَ بأنّك على حقّ بنسبة مئة في المئة، امنح نفسك خمس دقائق من الشكّ؛ فقد يكون ذلك صوت الحقيقة، وقد يكون محاميك الداخلي قد تناول قهوةً إضافية.

أمّا أنا، فقد قرّرتُ أن أراجع أخطائي ابتداءً من الغد. اليوم مشغولٌ قليلًا؛ لديّ بعض الأخطاء القديمة التي تحتاج إلى إعادة تصنيف، وعددٌ من المواقف التي لم أكن فيها مخطئًا إطلاقًا، وإنّما كان الآخرون على حقّ بطريقةٍ مستفزّة!

وإلى أن أنتهي من هذه المهمة الوطنية، أرجو ألّا يزعجني أحدٌ بالحقيقة. فأنا، مثل معظم العقلاء، أقدّر الحقيقة كثيرًا… خصوصًا عندما تتّفق مع رأيي.

ملاحظة أخيرة: إذا وجدتَ في هذا النص شخصًا يشبهك، فلا تتسرّع في اتهامه. ربّما يكون مجرّد تشابهٍ عابر بينك وبين أحد معارفك، الذين لا تخطئ أنت أبدًا في اختيارهم.

— فنجان الزياني ☕


أنا على قيد الإثبات

قد يعتقد المرء أنّ الحياة حقيقةٌ لا تحتاج إلى برهان: تتنفّس، تمشي، تتكلّم، وتدفع فواتيرها بانتظام. لكنّك في المغرب قد تكتشف، في بعض الإجراءات الإدارية، أنّ الحياة وحدها لا تكفي؛ فلا بدّ أحيانًا من شهادة رسمية تؤكّد أنّك لم تمت، بحسب الجهة المعنية والغرض من الوثيقة.

وهكذا، لم يعد الموت وحده يستوجب إثباتًا؛ يبدو أنّ الحياة أيضًا أصبحت مطالبةً بتسوية وضعيتها الإدارية!

دخلتُ الإدارة، وجلستُ أنتظر دوري. كان الانتظار طويلًا، إلى درجة أنّني بدأتُ أشكّ في أنّني جئتُ لاستخراج شهادة حياة، لاختبار قدرتي على البقاء حيًّا حتى صدورها.

وحين جاء دوري، اقتربتُ من الشباك.

سألني الموظف:

— ماذا تريد؟

قلتُ:

— شهادة حياة.

قال:

— لمن؟

نظرتُ إليه وقلت:

— لي. أمّا إن كنتَ تقصد أنّني أبدو حيًّا أكثر من اللازم، فأنا مستعدّ لتخفيف نشاطي حتى لا أثير الشبهات.

لم يبتسم.

قال:

— الوثائق المطلوبة؟

قلتُ:

— بطاقتي الوطنية، وحضوري الشخصي، وصوتي الذي تسمعه الآن. هل تريد أيضًا أن أُحضِر نبضي في ملفّ مستقل، أم يكفي أن أتركه يعمل إلى حين انتهاء المعاملة؟

أجاب ببرود:

— هذه هي المسطرة.

قلتُ:

— أفهم. لكن هل المسطرة هي التي لا تثق في حياتي، أم أنّ حياتي لم تستوفِ بعدُ شروط الاعتراف بها؟

رفع عينيه عن الأوراق وقال:

— السيّد، نحن نطبّق القانون.

قلتُ:

— وأنا لا أعترض على القانون، سيدي. أنا فقط أحاول معرفة ما إذا كان القانون يريد إثبات أنّني حيّ، أم يريد أن يراني أندم على ذلك!

طلب منّي الانتظار.

عدتُ إلى مكاني. وبعد وقتٍ لا أعرف إن كان محسوبًا بالدقائق أم بدرجات الصبر، استدعاني مجدّدًا، وبدأ يراجع بياناتي.

سألني:

— هل أنت المعنيّ بالأمر؟

قلتُ:

— لا، أنا شبيهي. أمّا الحقيقي فقد بقي في المنزل، خشية أن يُطلب منه إثبات أنّه هو أيضًا حقيقي!

عندها تدخّل رئيس المصلحة، وسألني عن سبب الاعتراض.

قلتُ:

— لا اعتراض، سيدي. أنا معجب بالدقّة إلى حدّ أنّني أتمنّى لو تُطبَّق على الوقت الذي أقضيه هنا أيضًا. فنحن نثبت أنّنا أحياء، لكن لا أحد يثبت لنا أنّ وقتنا ما زال حيًّا!

ابتسم الرئيس، وأمر بإتمام الإجراء.

خرجتُ أخيرًا أحمل شهادةً تثبت أنّني حيّ. تأمّلتها، ثم قلتُ في نفسي: عجيب! قضيتُ سنواتٍ أعيش دون هذه الوثيقة، ولم أشكّ يومًا في وجودي. واليوم، بعد أن حصلتُ عليها، صرتُ أملك دليلًا رسميًّا على حقيقةٍ كنتُ أمارسها مجّانًا طوال حياتي.

لكنّ السؤال الذي رافقني إلى الخارج كان أشدّ إلحاحًا من السؤال الذي دخلتُ به:

إذا كانت الإدارة قد اقتنعت أخيرًا بأنّني حيّ، فهل يمكنها أن تمنحني شهادةً أخرى تثبت أنّني لم أُهدر حياتي في انتظار شهادةٍ تثبت أنّني حيّ؟

فنجان الزياني أنتم سكره...!

إمضاء: عبد المومن الزياني

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة