حكايا العم جابر ماذا حل بك  بقلم سليمان ملحم

تَوَقَّفتُ بَعدَ أَنْ أَطَلتُ النَّظَرَ إِلَيهِ، وَعُدتُ بِذَاكِرَتِي عَشَرَاتِ السِّنِينَ إِلَى الوَرَاءِ.

اتَّجَهتُ إِلَيهِ، وَأَلقَيتُ عَلَيهِ السَّلَامَ، فَرَدَّ بِاحتِرَامٍ، وَحَدَّقَ فِيَّ مَلِيًّا، وَأَردَفَ قَائِلًا:

— العَمُّ جَابِر !

تَصَافَحنَا بِعِنَاقٍ مِنْ ذَاكِرَةِ الأَيَّامِ.

قُلتُ لَهُ مُستَغرِبًا:

— مَاذَا حَلَّ بِكَ، حَتَّى ظَنَنتُكَ مِنْ أَترَابِي؟ أَتَعلَمُ أَنَّ بَينِي وَبَينَكَ ثَلَاثِينَ عَامًا؟

تَبَسَّمَ بِتَنَهُّدٍ، وَبِحُرقَةِ المُتَأَلِّمِ، وَقَالَ:

— اسمَعْ...

عِندَمَا تَدَهوَرَتْ حَالَةُ وَالِدِي، كَانَتْ تِلكَ مَرحَلَةَ التَّأَفُّفِ وَالتَّهَرُّبِ، وَرَمْيِ المَسؤُولِيَّةِ عَلَى الآخَرِ؛ سَوَاءٌ أَكَانَتْ وَالِدَتِي، أَمْ أَخَوَيَّ، وَحَتَّى البَنَاتِ.

وَلَمْ تَطُلْ فَترَةُ المَرَضِ، حَتَّى انتَقَلَ إِلَى المَلَكُوتِ الأَعلَى.

رَحِمَ اللَّهُ وَالِدَيكَ!

وَهُنَا بَدَأَتْ فَترَةُ الحُزْنِ، وَمَا يُخفِيهِ وَرَاءَهُ مِنْ خُطَطٍ وَدِرَاسَاتٍ وَاستِقرَاءٍ لِلمُستَقبَلِ.

أَربَعُونَ يَومًا مَضَتْ...

وَهُنَا، يَا سَيِّدِي، فُتِحَتْ أَبوَابُ جَهَنَّمَ!

بِالإِجمَاعِ، كُنتَ أَنتَ الفَتَى المُدَلَّلَ، وَأَنتَ مَنْ أَخَذَ حِصَّةَ الأَسَدِ!

جَلَستُ مَعَ العَائِلَةِ الكَرِيمَةِ، وَتَحَدَّثتُ بِصَوتٍ هَادِئٍ، قَائِلًا:

.. مَعَ أَنِّي الأَخُ الأَكبَرُ، تَصَرَّفُوا جَمِيعًا بِمَا تَرَونَهُ مُنَاسِبًا؛ فَأَنَا لَستُ رَاغِبًا فِي أَيِّ شَيءٍ مِمَّا تَرَكَهُ أَبِي. 

وَهَذَا مَا حَصَلَ...

الكُرهُ، وَالأَحقَادُ، وَالِانفِصَالُ، وَالتَّبَاعُدُ، وَالتَّبَاغُضُ.

وَأَنَا الآنَ أَعمَلُ فِي هَذَا المَعمَلِ الصَّغِيرِ مُنذُ خَمسٍ وَعِشْرِينَ سَنَةً، وَأُقِيمُ هُنَا مُرتَاحَ البَالِ.

مُعظَمَ أَيَّامِي، أَتَوَسَّدُ حِذَائِي، وَأَفتَرِشُ الأَرضَ، وَأَلتَحِفُ السَّمَاءَ...



تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة