حين يكونُ للكلمةِ قلبٌ   بقلم سليمان شاحوذعلي

 ما نحنُ بأعرافِ الملائكةِ نحلقُ، ولا من جلاميدِ الصخرِ قددنا، بل نحنُ أبناءُ أحاسيسَ يستفزنا اللفظُ حتى يحيينا، ويعتصرنا القولُ حتى يدمينا، وفي حنايا كلِّ صدرٍ ألفُ شجنٍ مستورٍ، تراهُ ينقلبُ بينَ طربِ كلمةٍ وطعنةِ أخرى، وربَّ بسمةٍ على الشفاهِ طافيةٍ لا تعدو أن تكونَ أنشودةَ جرحٍ يتظاهرُ بالبرءِ، وضحكةٍ هادرةٍ خلفَها صمتُ ندبٍ لا يبصرُهُ إلا من خلقَ الفؤادَ، وليسَ من الكياسةِ أن تمارسَ الجشاشةُ عادةً، ولا أن يغطى التجريحُ برداءِ المزاحِ؛ فكم من لفظةٍ يلفظُها القائلُ بينَ شفتيهِ خفيفةً كالهباءِ، فتقعُ في قلبِ سامعِها أثقلَ من رواسي الجبالِ! وإنَّ شجاعةَ المرءِ لا تقاسُ بغلبتِهِ لغيرِهِ، بل بقهرهِ للنزعةِ العاتيةِ في نفسِهِ، فيكونُ اللينُ خيارَهُ وهو القادرُ على القسوةِ، وتكونُ الرحمةُ ملجأَهُ وهو المالكُ لأسبابِ الأذى، لم يكلفِ الإنسانُ أن يكونَ كاملاً؛ فالكمالُ حكرٌ على الذاتِ الإلهيةِ، ولكنَّهُ مكلفٌ أن يكونَ إنساناً يصونُ للقلوبِ أقداسَها، ويحفظُ للنفوسِ كرامتَها، ويمشي في الأرضِ هَوْناً ليتركَ فيها حسنَ الأثرِ لا ندوبَ الألمِ، فاجعلْ حياتَكَ نفحةَ سلامٍ، ولسانَكَ بلسماً؛ فربَّ حرفٍ طيبٍ جبرَ روحاً كانتْ على شفا الهلاكِ، وربَّ كلمةٍ جافيةٍ أماتتْ شعاعَ أملٍ عاشَ في القلبِ زماناً.

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة