حين يصبح الغياب جوابا بقلم سليمان شاحوذ علي
ألسنا نحن الذين منحناهم من القلب موطنا، ومن الروح مقاما، ومن العمر أجمل ما نملك؟ ألسنا نحن الذين كنا نلتقط تفاصيلهم الصغيرة، ونحفظ نبرة أصواتهم، ونفهم صمتهم حين يعجز الكلام عن حمل ما في الصدور؟ كنا نجعل حضورهم عادة جميلة، وغيابهم سؤالا لا يهدأ، ونمنح بلا حساب، ونلتمس لهم الأعذار كلما ضاقت بهم الحياة، ونضع محبتهم في كفة، وكل ما يؤلمنا في كفة أخرى. بقينا حين كان الرحيل أسهل، وصبرنا حين كان العتاب أقرب، وحفظنا الود حتى في اللحظة التي لم يعد فيها الود محفوظا من الطرف الآخر. ثم ماذا حدث؟ كيف انقلبت كل تلك الأيام إلى ذكرى، وكل ذلك القرب إلى مسافة، وكل ذلك الأمان إلى سؤال؟ كيف استطاع بعضهم أن يغادروا بهذه الخفة، وكأن شيئا لم يكن، وكأن القلوب التي تعلقت بهم لم تكن يوما جزءا من الحكاية؟ نحن لا نبحث عنهم لأننا عاجزون عن النسيان، ولا ننتظر عودتهم لأن أبوابنا ما زالت مشرعة. نحن فقط نتساءل: كيف يستطيع إنسان أن ينسى قلبا كان يوما مأمنه، ويدا كانت تمسح عنه تعب الطريق، وروحا كانت تفرح لفرحه وتحزن لحزنه؟ ربما لم يتغير الحب، وربما تغيرت قيمة الأشياء في أعين من لم يعرفوا وزنها، وربما كان بعض الرحيل رحمة مستترة، كي نتعلم ألا نسكن أحدا أكثر مما يسكننا، وألا نمنح من أعماقنا من لا يعرف كيف يحفظ ما نمنحه. ولهذا رحلنا، لا لأننا كرهنا، ولا لأن الوفاء مات فينا، بل لأننا أدركنا متأخرين أن القلب الذي يضطر في كل مرة إلى إثبات قيمته، يستحق أن يبحث عن مكان لا يحتاج فيه إلى إثبات شيء. فبعض الغياب ليس نهاية الحكاية، بل نهاية الوهم، وبعض الرحيل ليس خسارة، بل نجاة من عمر كان يمكن أن نقضيه ونحن نسأل: لماذا لم يشعروا بنا كما شعرنا بهم؟ وربما كان الغياب، في بعض الحكايات، أصدق جواب.
تعليقات
إرسال تعليق