حين تتكلم الأسئلة وتصمت الأجوبة بقلم محمد الامين بشير الجزائري
في النفس أبوابٌ لا تُفتح بمفاتيح الكلام، وإنما تفتحها الأيام حين تُكثر من طرقها، حتى يتعلم المرء أن بعض الأسئلة لا تطلب جوابًا، وأن بعض الأجوبة لا تزيد القلب إلا سؤالًا.
عجيبٌ أمر الإنسان؛ يطلب الصدق، فإذا جاءه عاريًا من التزيين ضاق به، ويبحث عن الحقيقة، فإذا كشفت له وجهها خاف منها. يريد للناس أن يفهموه، وهو لا يكاد يفهم نفسه، ويعاتبهم على غموضهم، وفي داخله من الغموض ما لو نطق لاحتاج إلى عمرٍ آخر لشرحه.
نمضي في الحياة ونحن نظن أننا نختار طرقنا، ثم نلتفت بعد أعوام فنجد أن الطرق كانت تختارنا بقدر ما كنا نختارها. نودّع أشياء كنا نظن أننا لا نستطيع العيش دونها، ثم نعيش. ونتمسك بأشياء أخرى لا لأننا نحبها، بل لأننا نخشى الفراغ الذي سيتركه رحيلها.
ولعل أقسى التناقضات أن يكون الإنسان قريبًا ممن يحب، بعيدًا عنه؛ حاضرًا بجسده، غائبًا بروحه، يملأ المكان كلامًا، وفي قلبه صمتٌ لا يسمعه أحد.
فأيُّهما أصدق: ما نقوله حين نكون بين الناس، أم ما تقوله أرواحنا حين ننفرد بأنفسنا؟
وهل القوة أن نمضي ولا نلتفت، أم أن القوة أن نعترف بما تركه الماضي فينا ثم نمضي؟ وهل النسيان فضيلة دائمًا، أم أن بعض الذكريات أمانة لا يليق بنا أن نخونها باسم التعافي؟
ربما لم نُخلق لنفهم كل شيء. ربما خُلقنا لنُحسن الوقوف أمام ما لا نفهمه، وأن نحمل أسئلتنا بوقار، فلا نجعل من الجهل عيبًا، ولا من اليقين المتعجل فضيلة.
إن الحياة لا تمنحنا دائمًا ما نريد، لكنها تكشف لنا، في كثير من الأحيان، ما كنا نحتاج إلى معرفته. وقد يكون الحرمان بابًا إلى البصيرة، والتأخر درسًا في الصبر، والخسارة مرآةً تُرينا أنفسنا بعد أن كانت شدة التعلق تحجبها.
وفي آخر الطريق، لعل السؤال الأهم ليس: ماذا أخذنا من الدنيا؟ بل: ماذا بقي منا بعد أن أخذت الدنيا منا ما أخذت؟
فإن بقي في القلب شيءٌ من الرحمة، وفي العقل شيءٌ من الإنصاف، وفي الروح شيءٌ من النبل؛ فما ضاع الإنسان، وإن كثرت عليه التناقضات، وطالت به الأسئلة.
تعليقات
إرسال تعليق