من ظلام الجاهية إلى نور الرسالة بقلم محمد علي باني
الفصل السابع ؛ الهجرة... حين يصبح الإيمان وطنا
مقدمة وجدانية
حين يضيق الوطن على أهله ، يصبح الرحيل امتحانا للقلب.
وحين يطلب الإنسان أن يحمل عقيدته فوق راحته ، لا يعود الطريق مجرد انتقال من أرض إلى أرض ، بل يصبح رحلة من الخوف إلى اليقين .
هكذا كانت الهجرة .
لم تكن فرارا من مواجهة ، ولا بحثا عن دنيا جديدة ، وإنما كانت قرارا عظيما حين إشتد أذى قريش، وضاقت مكة بأهل الإيمان ، وأصبح المسلم مهددا بعقيدته وحياته.
تركوا الديار التي ولدوا فيها ، والبيوت التي عاشوا بين جدرانها، والأسواق التي عرفوا طرقها والذكريات التي التصقت بالرمال والحجارة.
تركوا كل ذلك ؛ لكنهم لم يتركوا الله.
خرجوا من مكة وليس معهم من الدنيا إلا ما استطاعوا حمله.
لكن في صدورهم كان كنز لا تستطيع قريش انتزاعه،
الإيمان
ثم جاءت هجرة المصطفي صلى الله عليه وسلم مع صاحبه ابي بكر رضي الله عنه فكان الطريق محفوفا بالخطر، وكان المطاردون قريبين، وكانت لحظات الغار شاهدة على يقين لا تهزه المخاوف .
ومن قلب الخوف خرج الأمان.
ومن ظلمة الطريق اشرق فجر المدينة .
هناك ستتغير صورة المجتمع.
ففي مكة كان المسلمون اقلية مستضعفة، اما في المدينة فستبدأ مرحلة بناء الأمة .
وسيصبح المسجد مركزا للروح والمجتمع ، وستتحول الأخوة من كلمة تقال إلى واقع يعاش.
ابيات الفصل
تركنا الديار وفي الفؤاد حنينها
حب تراب في الضلوع مرتب
وما كان ترك الدار هين خطوة
ولكن إذا نادى الإله نجيب
فكم من بيوت في مكة أقفلت
وكم من قلب في الفراق تعذب
وكم من أم قد تخلف نبضها
وكم من فتى عن أهله يتغرب
وخرجنا وفي أعماقنا يقيننا
بأن طريق الحق لا يتعطب
وسار نبي المصطفى وصحابه
وفي كل خطو للإله تقرب
ومعه صاحب في الغار صان صحبة
وفي الخوف كان القلب لا يتقلب
ولما أحاط القوم بالغار قال له
صفيه، ان القوم حولنا يقرب
فقال لا تحزن فإن إلهنا
معنا وبحفظ الله لا نتعذب
فسكنت الأرواح بعد رعابها
وصار يقين الله في القلب مركب
وما كانت الأسباب إلا مسالكا
وأمر إله العالمين هو الغلب
ومضت قريس في الطريق تلوذ به
وما علمت أن الحمى ليس يطلب
فأصبح درب الهجرة الفاصل الذي
به بين عهد الظلم والنور يحسب
وأقبل أهل المدينة يوم أتوا
يركب بالمختار قلب ويطرب
وتعالت أناشيد المحبة في الهوا
وكل فؤاد بالقدوم يرحب
هنالك صارت بين اهل العقيدة
اخوة حق لا تمل ولا تخب
فمن مهاجر قد ترك المال خلفه
إلى انصاري له القلب يطرب
تقاسم انصار النبي بيوتهم
وما سألوا من ذا الغني ومن يرغب
وقالوا لنا في الله أخ مهاجر
فماله مالنا ، وحقه يطلب
فصارت أخوة ديننا جسر رحمة
عليه من الإيثار نور يذهب
وبنيت الأمة لا بالسيف أولا
ولكن بقلب بالمحبة يربى
وصارت مدينة طيبة في رحابها
لكل أخ باب من الود يفتح
فتلك هجرة من أراد إلهه
فصار له في كل أرض له رب
خاتمة الفصل
وهكذا لم تكن الهجرة نهاية قصة، بل كانت بداية بناء .
ترك المسلمون مكك لكنهم حملوا معها معنى الوطن في قلوبهم ، ثم وجدوا في المدينة وطنا جديدا لا يقوم على الدم والنسب ، وإنما على العقيدة والأخوة والرحمة .
وهنا حدث التحول الكبير
من قبيلة تجمعها العصبية إلى أمة تجمعها العقيدة
ومن فرد يبحث عن حماية قبيلته إلى إنسان يجد أخاه في الإيمان.
ومن مجتمع تتحكم فيه القوة إلى مجتمع يبدأ في بناء ميزان العدل.
لقد أصبحت الهجرة درسا خالدا في معنى التضحية ، فالإنسان قد يترك شيئا يحبه من أجل شيء يؤمن به، وقد يخسر بيتا ليكسب رسالة ، وقد يفارق أرضا ليحفظ مبدأ .
لكن الطريق لم يكن قد انتهى
فالمدينة ستصبح مركزا لبناء الدولة والمجتمع ، وستضهر فيها قيم جديدة ؛ الأخوة والعدل ، والتكافل ، وحفظ العهود، وصيانة الحقوق.
وسنرى كيف انتقل الإسلام من بناء الفرد إلى بناء المجتمع ، وكيف أصبحت الرسالة مشروع حياة لا مجرد عقيدة في القلب.
ومن هنا نمضي إلى الفصل القادم ؛
الفصل الثامن ؛ المدينة المنورة ... ميلاد المجتمع الجديد
هناك سنرى كيف تحولت الأخوة إلى نظام حياة ، وكيف اصبح المسجد قلب المجتمع، وكيف بدأ الإنسان الذي خرج من ظلام الجاهية يتعلم معنى الأمة.
التوقيع الشعري
أنا إبن حرف إذا ما لامس الألم
نبض الحنين به، وارتد ملتهما
الكاتب والشاعر محمد علي باني/ تونس
تعليقات
إرسال تعليق