عَلَى أَطْلَالِ بُيُوتِ الطِّينِ  بِقَلَمِ  سليمان شَاحُوذ عَلِي

 عُدْتُ مِنْ مَنْأَى السِّنِينَ أَحْمِلُ غُرْبَتِي، فَلَمْ أَجِدْنِي كَمَا كُنْتُ. كُلُّ شَيْءٍ هُنَا يَرْتَدِي مَلَامِحِي إِلَّا "أَنَا"، كَأَنَّنِي سَحَبْتُ رُوحِي مِنْ ذَيْلِ زُقَاقٍ قَدِيمٍ وَمَضَيْتُ إِلَى المَجْهُولِ وَحِيداً. الأَزِقَّةُ الَّتِي أَلِفَتْ خُطَايَ غَارِقَةٌ فِي صَمْتٍ مَهِيبٍ، تَقْتَاتُ عَلَى صَدَى ضَحَكَاتٍ غَابِرَةٍ، وَالجُدْرَانُ الوَاهِنَةُ تَكْتَنِزُ فِي مَسَامِ طِينِهَا أَنْفَاسَ الرَّاحِلِينَ، وَتُخَبِّئُ بَيْنَ شُقُوقِهَا أَسْرَارَ مَنْ عَبَرُوا وَلَمْ يَرْتَدَّ إِلَيْهِمْ طَرْفُهُمْ. هُنَا.. كُنَّا نَتَحَلَّقُ حَوْلَ المُعَلِّمِ، نَرْتَوِي مِنْ نُورِهِ كَمَا تَرْتَوِي البِيدُ مِنْ فَيْضِ الغَمَامِ، نَكْبَرُ عَلَى رَنِينِ صَوْتِهِ كَمَا تَشْمَخُ السَّنَابِلُ بِوَعْدِ المَطَرِ. وَهُنَاكَ.. كَانَ الشُّيُوخُ يُسْنِدُونَ وَهَنَ أَعْمَارِهِمْ إِلَى حِيطَانٍ آيِلَةٍ لِلسُّقُوطِ، تَخْرُجُ زَفَرَاتُ سَجَائِرِهِمْ كَأَنَّهَا دُخَانُ تَارِيخٍ يَحْتَرِقُ، يَرْوِي سِيرَةَ أَرْوَاحٍ قَتَلَهَا الِانْتِظَارُ، وَتَكَسَّرَتْ نِصَالُهَا عَلَى أَرْصِفَةِ الصَّبْرِ المَرِيرِ. وَفِي زَوَايَا الجُدْرَانِ المُثْقَلَةِ بِالأَسَى، جَلَسَتْ عَجَائِزُنَا بِوَقَارِ الأَنْبِيَاءِ، تَتَلأْلأُ شَيْبَاتُهُنَّ تَحْتَ شَمْسِ الشِّتَاءِ البَارِدَةِ، يُدَاعِبُ خُصْلَاتِهَا نَسِيمُ الفُرَاتِ العَلِيلُ؛ فَكَأَنَّ كُلَّ شَعْرَةٍ مَلْحَمَةٌ، وَكُلَّ تَجْعِيدَةٍ فِي وُجُوهِهِنَّ خَرِيطَةُ وَطَنٍ مُضَاعٍ. وَقَفْتُ مَلِيًّا أَسْتَنْطِقُ الثَّرَى، أَنْبُشُ بَيْنَ ذَرَّاتِ الغُبَارِ عَنْ وُجُوهٍ تَوَارَتْ، وَأَصْوَاتٍ خَفَتَتْ، وَعَنْ طِفْلٍ كُنْتُهُ يَوْمًا وَمَا زَالَ عَالِقًا فِي أَسْرِ الذَّاكِرَةِ. نَادَيْتُهُ.. فَلَمْ يَلْتَفِتْ! وَكَأَنَّ المَدَى بَيْنِي وَبَيْنَهُ لَمْ يَعُدْ مَجَازًا، بَلْ هُوَ دَهْرٌ لَا يُقْطَعُ، وَزَمَنٌ لَا يُعْبَرُ. أَنَا هُنَا فِي مَهَبِّ الشَّيْبِ، وَهُوَ هُنَاكَ.. أَيْقُونَةٌ فِي ذَاكِرَةٍ لَا تَشِيخُ، أَقِفُ عَلَى شَفِيرِ الحَنِينِ، أَرْنُو إِلَى الوِصَالِ.. وَلَا أَصِلُ. نَادَيْتُ الغَابِرِينَ، فَلَمْ يَرْتَدَّ إِلَيَّ إِلَّا صَدَى رُوحِي الكَسِيرَةِ، وَأَدْرَكْتُ – وَالأَسَى يَمْلأُ جِفْنِي – أَنَّ الأَمْكِنَةَ لَيْسَتْ هِيَ مَنْ يَتَبَدَّلُ، بَلْ نَحْنُ مَنْ نَسْتَعِيرُ مَلَامِحَ غَيْرِنَا. تَظَلُّ القُرَى صَامِدَةً، تَحْفَظُ أَسْمَاءَنَا وَوَقْعَ خُطَانَا، لَكِنَّنَا حِينَ نَؤُوبُ إِلَيْهَا، نَعُودُ غُرَبَاءَ.. فَاقِدِينَ لِلنُّسْخَةِ الَّتِي كَانَتْ تَلِيقُ بِذَاكَ الطِّينِ.

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة