ترميم الذات بعد الشتات   بقلم سليمان شاحوذ علي 

أتيت في المنتصف الفاصل من العمر، لا لأشهر سيف براهيني في وجوه المارة، ولا لأستجدي شهادة من خلق لا يبصرون إلا ظلالهم؛ بل لألمم الشتات الذي بثته الأيام في أركان الروح، وأسترد ذاتي المغصوبة من زحمة الصدمات. هناك لحظة إشراق يقينية ندرك فيها أن طأطأة المعارك وكف السلاح ليس جبنا، بل هو الظفر الأكبر؛ فالصلاح والسكينة أنفس ذخيرة ندخرها، وهذا القلب الذي كابد مرارة الانتظار آن له أن يسقى من زلال الطمأنينة، بعيدا عن صخب كتل بشرية لا تدرك ثقل حضورنا، ولا ترعى حرمة غيابنا. لقد استبان الصبح لذي عينين؛ فما كانت العناية بالذات يوما أنانية تعاب، بل هي العهد الأسنى، والوفاء الأعظم لروح حملت الأوزار حتى كادت تنحني، وصبرت صبرا جميلا على ما لا يطاق. فلم نعد نسعى في إثر من يستبقينا في ظلال حياته، بل ننقب عمن يجعل مقامنا عنده أمنا وأمانا. لا نركض خلف أقدام اختارت النوى، ولا نستجدي ظلا ولى، بل نمضي نحو أنفسنا بخطى كالجبال، نغلق الأبواب التي كانت مهبات للخيبة والحسرة، ونشرع نوافذ الأفئدة لفجر بكر يتضوع أملا. إن أعظم صنيع يأتيه المرء بعد كل انكسار، لا أن يعيد حجارة نفسه كما كانت في الأمس، بل أن يشيدها كما يليق بها أن تكون: أعمق عقلا، وأكثر هدوءا، وأقوى إيمانا بأن بعض المفقودات ما كانت إلا خلاصا، وأن في جفاف بعض الوصال رحمة، وفي بعض النهايات المرة ملاذا لبداية أسنى؛ حياة كنا نجهل أننا أهل لعزتها.


تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة