حين يصبح الأمان ندبة   قلم سليمان شاحوذ علي

لم أطلب منك يوما ما يجاوز قدرتك، ولم أكن أفتش عن معجزة تسند أيامي، كل ما أردته كان وطنا صغيرا أستريح في ظله من عناء الطريق، وركنا آمنا أضع فيه أثقال روحي دون أن أخشى عليها من يد كنت أظنها مأمونة. كنت أبحث عن حضور لا تعبث به تقلبات المزاج، ولا تهزه عواصف الأيام، وجودا يرمم شقوقي الخفية، لا يضيف إلى جدران روحي صدعا جديدا. لكنك جعلتني أقف طويلا أمام سذاجتي القديمة، وأتساءل كيف يستطيع الطهر حين يصطدم بالخذلان أن يتحول إلى أسوار من الحذر، وكيف يمكن ليد كانت يوما تمسح عن القلب خوفه أن تصبح هي ذاتها مصدرا لذلك الخوف. ومع ذلك، لا أندم على صدقي، فالقلوب النقية لا تخجل من نقائها، ومن منح الحب بصدق لا يخسر إلا وهما كان يظنه نجاة. غير أنني اليوم لم أعد ذلك الذي يهب قلبه على عتبة البدايات بلا حساب، ولا ذلك الذي يضع روحه كلها في كفة شخص لم يتعلم بعد قيمة ما يحمل إليه. خيبتك لم تجعلني قاسيا، لكنها علمتني أن أكون أكثر رحمة بقلبي، وأن لا أراهن بما تبقى مني على من لا يعرف قيمة الرهان. لقد أدركت أخيرا أن الأمان ليس وعدا يلمع على الشفاه، ولا كلمة جميلة تقال حين تصفو اللحظة، بل هو أثر عميق يتركه الصدق في النفس، حتى إذا غاب صاحبه بقيت الروح مطمئنة إلى أنها لم تخطئ حين وثقت. أما أنت، فقد كنت درسا موجعا في هيئة إنسان، علمتني أن بعض الأيدي التي نمد إليها قلوبنا لا تأتي لتسندها، بل لتعلمها كيف تقف وحدها.


تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة