إشراقات / 23 /
الحضور الذي لا يغيب بقلم محمود عمران
الحضور الحقيقي لا يرتبط بوجود الإنسان في المكان، بل بقدرته على أن يترك أثراً يتجاوز لحظة وجوده. هو حالة من الانسجام الداخلي تجعل وجوده محسوساً حتى حين يصمت، ومؤثراً حتى حين يغيب.
هذا النوع من الحضور لا يُصنع بالظهور المتكرر، ولا بالكلام الكثير، بل يتكوّن عبر تراكم التجارب التي صقلت الوعي ببطء: تجارب اجتماعية وسياسية وثقافية، انتصارات وإحباطات، لحظات مواجهة ولحظات تأمل. ومع الزمن، يصبح الإنسان أكثر هدوءاً، وأكثر قدرة على رؤية ما وراء اللحظة، وأكثر انسجاماً مع ذاته.
الحضور الذي لا يغيب هو نتيجة فهمٍ عميق بأن التغيير لا يحدث بالعجلة، وأن التأني والسكينة قد يكونان الطريق الأقصر نحو التحوّل. وهو أيضاً ثمرة التجارب التي تعيد ترتيب المفاهيم، كما تفعل التجارب الجسدية الكبرى حين تفتح باباً جديداً للفهم.
في هذا الحضور، لا يعود الإنسان محتاجاً إلى إثبات نفسه أو الدفاع عن خياراته. يكفي أن يكون صادقاً مع ذاته، كي يشعر الآخرون بوجوده حتى دون أن يتكلم. يكفي أن يكون منسجماً، كي يصبح صمته لغة، وغيابه علامة، وخطواته معنى.
الحضور الذي لا يغيب ليس أن تبقى، بل أن تترك في الأشياء ما يجعلها تتذكّرك.
وليس أن تظهر، بل أن يكون لغيابك أثر.
وليس أن تتكلم، بل أن يكون لصمتك معنى.
بقلم محمود عمران
تعليقات
إرسال تعليق