انشقاق النفس: قراءة فلسفية في ضوء قوله تعالى: ﴿لقد أنزلنا إليكم كتابا فيه ذكركم أفلا تعقلون﴾

بقلم الجباري نورالدين 


ليس الكتاب في التصور القرآني مجرد نص يضاف إلى مكتبة الإنسانية، بل هو حدث وجودي يعيد تعريف الإنسان بنفسه. فالآية الكريمة: ﴿لقد أنزلنا إليكم كتابا فيه ذكركم أفلا تعقلون﴾، تحمل دلالة تتجاوز الإخبار عن نزول الوحي إلى الكشف عن أزمة الإنسان حين يفقد "ذكره"، أي حين يفقد وعيه بذاته، ورسالة وجوده، ومرجعيته التي تمنحه المعنى.


فالذكر هنا ليس مجرد التذكر في معناه الذهني، بل هو استعادة الهوية الوجودية. ولذلك فإن الإنسان لا يغترب عن العالم أولا، وإنما يغترب عن نفسه. ومن هنا يبدأ ما يمكن تسميته بـ"انشقاق النفس"، وهو الحالة التي تنفصل فيها الذات عن حقيقتها، فتعيش تناقضا دائما بين ما تعرفه وما تفعله، وبين ما تؤمن به وما تمارسه، وبين ما ينبغي أن تكونه وما أصبحت عليه.


إن النفس المنشقّة ليست نفسا جاهلة بالضرورة، فقد تمتلك كما هائلا من المعرفة، لكنها تفتقد الحكمة التي توحد عناصرها الداخلية. ولهذا فإن القرآن لا يجعل المعرفة وحدها معيار النجاة، بل يجعل التعقل هو المعيار. فالعقل في الرؤية القرآنية ليس أداة لإنتاج الأفكار فحسب، وإنما قوة أخلاقية ووجودية تربط الإنسان بالحقيقة، وتحول دون سقوطه في التشظي الداخلي.


ولهذا ختمت الآية بالسؤال: ﴿أفلا تعقلون﴾. إنه سؤال يضع الإنسان أمام مسؤوليته عن وحدة ذاته. فحين يغيب العقل الذي يهتدي بالوحي، تتحول النفس إلى ساحة تتصارع فيها الأهواء والمصالح والرغبات، حتى يصبح الإنسان غريبا عن نفسه، ويعيش حياة ظاهرها التماسك، بينما باطنها ممزق.


ولعل أخطر ما أنتجته الحداثة المعاصرة أنها منحت الإنسان وسائل لا نهائية للسيطرة على العالم، لكنها لم تمنحه القدرة على السيطرة على نفسه. فازداد تقدمه التقني، في الوقت الذي تعمقت فيه أزمته الوجودية. أصبح يعرف كل شيء عن الكون، لكنه يجهل الإجابة عن السؤال الأكثر إلحاحا: من أنا؟ ولماذا أنا هنا؟


ومن هنا تتجلى عبقرية التعبير القرآني: ﴿فيه ذكركم﴾. فالقرآن لا يقدم للإنسان هوية مستوردة، ولا يفرض عليه معنى من خارج كيانه، بل يوقظ ما أودعه الله فيه من فطرة، ويعيد وصل النفس بأصلها. فالذكر ليس إضافة إلى الإنسان، بل كشف لما كان كامنا فيه، ولذلك كانت الغفلة سترا للحقيقة، وكان الذكر إزالة لهذا الستر.


إن انشقاق النفس يبدأ عندما تصبح المرجعيات متعددة، فتتنازع الإنسان قيم السوق، وإغراء السلطة، وضغط الجماعة، وشهوة الأنا. عندها يفقد مركزه الداخلي، ويصبح أسير ردود الأفعال، لا فاعلا يصنع موقفه انطلاقا من بصيرة. وكلما ازدادت المرجعيات تضاربا، ازداد الإنسان انقساما، حتى يتحول إلى مجموعة من الأقنعة، لكل مقام وجه، ولكل مصلحة خطاب.


إن القرآن لا يعالج هذا الانقسام بالوعظ المجرد، وإنما بإعادة بناء الإنسان من الداخل. ولذلك كانت أولى خطوات الإصلاح هي استعادة الذكر، لأن من تذكر حقيقته، عرف ربه، ومن عرف ربه، عرف نفسه، ومن عرف نفسه، استعادت النفس وحدتها، وانتهى انشقاقها.


إن السؤال الذي تطرحه الآية على كل جيل ليس: هل بين أيديكم كتاب؟ وإنما: هل ما زال هذا الكتاب يصنع وعيكم؟ لأن امتلاك النص لا يعني امتلاك الهداية، كما أن كثرة القراءة لا تعني حضور الذكر. فقد يقرأ الإنسان القرآن بعينيه، بينما يظل قلبه بعيدا عن المقصد الذي من أجله أنزل.


وهكذا يصبح انشقاق النفس ليس مرضا نفسيا بالمعنى الطبي، وإنما أزمة وجودية تنشأ حين ينفصل الإنسان عن مصدر المعنى. ولا سبيل إلى تجاوزها إلا بالعودة إلى الكتاب الذي جعله الله موضع ذكر الإنسان، ومفتاح عقله، وأساس وحدته الداخلية.


فكل إصلاح يبدأ من النفس، وكل نفس لا تستعيد ذكرها، تبقى منقسمة وإن بدا ظاهرها مستقرا. ولذلك سيظل النداء الإلهي يتردد في كل عصر: ﴿لقد أنزلنا إليكم كتابا فيه ذكركم أفلا تعقلون

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة