نص موثق

 هل ينكرُ الطيرُ غصنًا كان يحملُهُ أم ينكرُ الزهرُ غيمًا كان يسقيهِ؟"

بقلم حمزة جميل جانم

فالطير مهما حلق في السماء، ومهما اتسعت أمامه الآفاق، لا يستطيع أن ينسى الغصن الذي احتضنه صغيراً، وحماه من الرياح، ومنحه مكاناً يستريح عليه. وكذلك الزهرة التي تتباهى بألوانها وعطرها، لا يحق لها أن تنكر فضل الغيم الذي أروى جذورها ومنحها أسباب الحياة والنماء.

وفي هذا التصوير البديع رسالة أخلاقية عميقة: أن الإنسان الأصيل لا ينسى من وقف إلى جانبه في أيام ضعفه، ولا يتنكر لمن ساعده في بداياته. فكم من شخصٍ بلغ مكانةً عالية بفضل أبٍ سهر، أو أمٍّ ضحّت، أو معلمٍ علّم، أو صديقٍ ساند، ثم ما لبث أن نسي تلك الأيادي البيضاء عندما تغيرت الأحوال.

إن نكران الجميل ليس مجرد خطأ في السلوك، بل هو فقر في المروءة وخلل في الوفاء. فالأشجار لا تنكر جذورها مهما ارتفعت، والأنهار لا تنكر منابعها مهما ابتعدت عنها، والإنسان الكريم لا يتنكر لمن كان سبباً في خيرٍ وصل إليه.

ولعل أجمل ما في الوفاء أنه لا يُقاس بحجم المعروف، بل بحجم الاعتراف به. فقد لا يستطيع الإنسان ردّ كل جميل، لكنه يستطيع أن يحفظه في قلبه، وأن يذكر أصحابه بخير، وأن يقابل الإحسان بالإحسان والدعاء الصادق.

إن الأمم تُبنى بالوفاء كما تُبنى بالأخلاق، والعلاقات تدوم بالمحبة كما تدوم بحفظ المعروف. أما حين يصبح الجحود عادة، فإن الثقة تتآكل، وتذبل المودة، وتفقد القلوب دفئها.

لذلك يبقى هذا البيت درساً بليغاً في الأخلاق الإنسانية؛ فكما لا ينكر الطير غصنه، ولا الزهر غيمه، ينبغي للإنسان أن يبقى وفياً لمن أحسن إليه، لأن الوفاء ليس تذكُّر الماضي فحسب، بل هو دليل على نبل الحاضر وجمال الروح.


تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة