لماذا أكتب    بقلم سليمان شاحوذ علي 

يسألني الناس: لماذا تكتب؟ فأبتسم، وأقول: لأن الكتابة ليست حبرا ينساب على الورق بل روح تستعيد أنفاسها بعد طول اختناق وصوت يولد حين تعجز الحناجر عن البوح واعتراف يخطه القلب عندما تخونه الدموع. هي الوصية الأخيرة للكبرياء إذا أنهكه الانكسار وصلاة الروح حين تضيق بها الأرض والمرفأ الذي ترسو إليه الأحلام بعد أن مزقتها عواصف الحياة. هي ذاكرة لا يطالها النسيان، ونبض لا يقتله الصمت، وحياة تولد من رحم الألم لتعلن أن الإنسان قد ينكسر لكنه لا يموت ما دام في قلبه حرف ينبض. هي آخر قبس من الضوء قبل أن تبتلع العتمة الطريق والشاهد الأمين على معارك خاضتها الأرواح في صمت فلم يسمع أنينها أحد إلا الله. وليس كل من يكتب طالب شهرة ولا كل قلم يلهث خلف التصفيق فكم من كاتب حمل في صدره بحرا من الوجع فلم يجد سفينة تنقذه سوى الحروف وكم من روح أرهقها الصمت فاتخذت من الأبجدية وطنا ومن الكلمات ملاذا، ومن المعاني حياة إن الكتابة ليست ترفا فكريا ولا زينة لغوية بل قدر يسكن أصحاب الرسالة ونزف يتحول إلى بيان، ودمعة تتجسد معنى وجراح تتطهر بالحروف حتى لا تتعفن في أعماق القلوب. ولهذا أكتب لأن بعض الأوجاع أسمى من أن تترجمها الدموع وبعض الحقائق أوسع من أن تحتويها الألسنة وبعض الأرواح لا تنجو إلا إذا سكبت نفسها على بياض الورق. أكتب لأن الكلمة الصادقة لا تشيخ ولأن الحروف إذا خرجت من قلب صادق بلغت القلوب بغير استئذان ولأن الإنسان يرحل مهما طال به العمر أما الكلمة التي ولدت من رحم الصدق فتبقى أثرا خالدا تشهد أن روحا مرت من هنا وتركت في الدنيا نورا لا يطفئه الزمن.


تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة