حين يُزَيَّف الوعي... يصبح الإنسان حارسًا لسجنه
بقلم حمزة جميل جلنم
القطيع لا يحتاج دائمًا إلى أسوار عالية ولا إلى قيود من حديد ليبقى خاضعًا، فالسياج الحقيقي قد يكون فكرة مزروعة في العقل، أو خوفًا متوارثًا، أو كذبة تكررت حتى ظنها الناس حقيقة. إن أخطر أشكال الاستبداد ليس ذلك الذي يفرض سلطته بالقوة وحدها، بل ذلك الذي ينجح في إقناع ضحاياه بأن الخضوع فضيلة، وأن الصمت حكمة، وأن الطاعة العمياء هي الطريق الوحيد إلى النجاة.
فالمستبد يدرك أن السيطرة على الأجساد مكلفة ومؤقتة، أما السيطرة على العقول فهي الأرخص والأطول عمرًا. لذلك يسعى إلى تشكيل الوعي قبل أن يفرض الأوامر، وإلى إعادة صياغة الحقائق قبل أن يطالب بالطاعة. وعندما يُشوَّه الإدراك، يصبح الإنسان أسيرًا دون أن يشعر بأغلاله، ومدافعًا عن سجنه دون أن يدرك أنه سجين.
ولهذا كان تزييف العقول أشد فتكًا من تدمير البيوت. فالبيت المهدَّم يمكن إعادة بنائه بالحجارة والإرادة والوقت، أما العقل الذي امتلأ بالأوهام والأكاذيب والخوف، فقد يحتاج سنوات طويلة ليستعيد قدرته على رؤية الحقيقة. إن الخراب المادي يُصيب الجدران، أما الخراب الفكري فيُصيب البصيرة ذاتها.
وحين يُزوَّر الوعي، تختلط المعايير؛ فيصبح الظالم منقذًا في نظر البعض، ويُصوَّر الناقد على أنه عدو، ويُتهم صاحب الفكر الحر بأنه مصدر الفوضى. عندها لا يعود الناس بحاجة إلى من يقمعهم، لأنهم يتولون المهمة بأنفسهم، فيحاربون كل صوت مختلف، ويشككون في كل فكرة جديدة، ويخافون من الحرية أكثر مما يخافون من الاستبداد.
إن الأمم لا تنهض بكثرة الأبنية الشاهقة ولا بضخامة المشاريع وحدها، بل بوجود عقول قادرة على التفكير والسؤال والتمييز بين الحقيقة والزيف. فالعقل الحر هو الحصن الأول ضد الخداع، والوعي هو السياج الذي يحمي المجتمعات من أن تُساق حيث لا تريد.
ولذلك فإن معركة الوعي هي أعظم معارك العصر. إنها ليست صراعًا على الأرض فحسب، بل صراع على العقول والقلوب والقدرة على التفكير المستقل. ومن يملك وعيه، يملك حريته، أما من يتنازل عن عقله للآخرين، فقد يظن نفسه حرًا وهو يسير طواعيةً نحو القيد.
فاحذروا ممن يحاول أن يفكر نيابةً عنكم، أو أن يرى العالم بدلًا منكم، أو أن يحتكر الحقيقة لنفسه. فالأمم التي تفقد وعيها قد تبقى واقفة على أقدامها، لكنها تكون قد فقدت روحها، أما الأمة التي تحافظ على عقلها النقدي ووعيها الحي، فإنها تملك دائمًا القدرة على النهوض مهما اشتدت عليها الأزمات.
فالحرية تبدأ من فكرة، والعبودية تبدأ من فكرة أيضًا، وبين الفكرتين يتحدد مصير الشعوب.
تعليقات
إرسال تعليق