​أرواحٌ عالقة في تفاصيل الأشياء

بقلمي: سليمان شاحوذ علي

ليست الأشياء التي نفقدها هي أكثر ما يؤلمنا، بل الأشياء التي تبقى بعد رحيل أصحابها.

​يؤلمني فنجانٌ لم يعد أحدٌ يرفعه في الصباح، وكتابٌ ما زالت بين صفحاته وردةٌ يابسة وضعتها يدٌ غابت منذ أعوام، ومعطفٌ معلّقٌ خلف الباب كأنه ينتظر صاحبه أن يعود بعد دقائق، بينما يعرف الجميع أنه لن يعود.

​يؤلمني بيتُ الطفولة حين أمرُّ بقربه فأراه واقفًا مثلي على أطلال الذكريات؛ النوافذ ذاتها، والجدران ذاتها، لكن الضحكات التي كانت تملأ المكان رحلت مع أهلها، وبقي الصمت حارسًا عجوزًا للأبواب.

​كم من مرةٍ جلسنا إلى مائدةٍ ناقصة المقاعد، نتبادل الأحاديث ونبتسم مجاملةً للحياة، بينما في القلب مقعدٌ فارغ لا يملؤه أحد.

​إن الزمن لا يسرق الناس دفعةً واحدة، بل ينتزعهم منا ببطء؛ يأخذ الأصوات أولًا، ثم الوجوه، ثم العادات الصغيرة التي كانت تمنح أيامنا معناها، حتى نستيقظ ذات صباح فنكتشف أننا نحمل في ذاكرتنا مدينةً كاملة من الراحلين.

​وما أقسى أن تفتح هاتفًا قديمًا فتجد رقمًا لا يزال محفوظًا لشخصٍ تعلم يقينًا أنه لن يجيب، أو تسمع صدفةً أغنيةً كانت تجمعك بإنسانٍ أصبح بينك وبينه عمرٌ كامل من الغياب.

​عندها تدرك أن بعض الفقد لا يُبكى بالدموع، بل يُعاش كل يوم؛ كجرحٍ تعلّم صاحبه أن يبتسم وهو يحمله، وكشتاءٍ طويل يسكن القلب حتى في مواسم الربيع.

​فبعض الراحلين لا يغادرون حقًّا؛ إنهم يمضون بأجسادهم، ويتركون أرواحهم معلّقةً في تفاصيل الحياة الصغيرة، حيث نفاجأ بهم في فنجان قهوة، أو رائحة كتاب، أو مقعدٍ خالٍ على مائدة المساء.

​وهكذا نمضي في أعمارنا، لا نحمل الراحلين معنا فحسب، بل نحمل أيضًا الأشياء التي أبقاها الرحيل شاهدًا صامتًا على أنهم مرّوا من هنا يومًا... وأن في القلب أماكن لا يطالها النسيان...


تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة