[ كلُّ إناءٍ بما فيه ينضح ]
✍️ عبد العظيم كحيل
من أبلغ ما ورثناه من حكم العرب وأمثالهم قولهم: "كلُّ إناءٍ بما فيه ينضح". وهو مثلٌ قصيرٌ في ألفاظه، عظيمٌ في معناه، يلخص حقيقةً إنسانيةً عميقةً مفادها أن المرء لا يُظهر للناس إلا ما يختزنه في داخله من أفكارٍ ومشاعر وأخلاق. فالإناء لا يفيض إلا بما امتلأ به، وكذلك الإنسان لا ينطق ولا يتصرف إلا بما استقر في قلبه وعقله.
فإذا كان القلب عامراً بالإيمان والرحمة والمحبة، ظهرت آثار ذلك في الكلام الطيب والتسامح وحسن الظن بالناس والعفو عند المقدرة. أما إذا امتلأ بالحقد والحسد وسوء الظن، فإن تلك السموم لا تلبث أن تظهر في الأقوال والتصرفات مهما حاول صاحبها إخفاءها أو التستر خلف الأقنعة.
ويُروى أن ثلاثة مسافرين مروا برجلٍ يحفر حفرةً في الصباح الباكر. فقال الأول: لا بد أنه دفن قتيلاً ويريد إخفاء جريمته. وقال الثاني: بل يخفي مالاً لشدة بخله. أما الثالث فقال: لعله يحفر بئراً لينتفع الناس من مائها. فمرّ بهم شيخ حكيم وقال: "كلُّ إناءٍ بما فيه ينضح". فكل واحد منهم لم يتحدث عن الرجل بقدر ما تحدث عن نفسه، وأظهر ما يدور في عقله وما يسكن قلبه. وهكذا كثيراً ما تكون أحكام الناس على الآخرين انعكاساً لما في نفوسهم، لا لما في حقيقة أولئك الآخرين.
ولذلك كان العقلاء يتثبتون قبل إصدار الأحكام، ويلتمسون الأعذار ما استطاعوا، لأنهم يدركون أن الظنون ليست حقائق، وأن الإنصاف يحتاج إلى علمٍ وعدلٍ وحكمة.
وقد نبّه الإسلام إلى خطورة الكذب والغدر والفجور في الخصومة، لأنها علامات تكشف ما يختبئ في النفوس من خللٍ وانحراف، فقال النبي الكريم محمد ﷺ: «آيةُ المنافقِ أربعٌ: إذا حدّث كذب، وإذا وعد أخلف، وإذا عاهد غدر، وإذا خاصم فجر». فالأخلاق ليست شعاراتٍ تُرفع، بل حقائق تظهر عند المواقف والامتحانات، وعند الغضب والخلاف والمصالح.
كما حذّر القرآن الكريم من ظلم الأبرياء ورميهم بالباطل، فقال تعالى: ﴿وَمَنْ يَكْسِبْ خَطِيئَةً أَوْ إِثْمًا ثُمَّ يَرْمِ بِهِ بَرِيئًا فَقَدِ احْتَمَلَ بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا﴾. وقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ﴾.
وفي نهاية المطاف، قد ينجح الإنسان زمناً في إخفاء حقيقته، لكن الأيام كفيلة بكشف المعادن، فالطيب تظهر طيبته، وصاحب الخلق الكريم تفضحه مروءته الجميلة، كما أن صاحب النفس المريضة يفضحه لسانه وتصرفاته. فالإنسان شجرة وثمرتها أخلاقها، وقلبه هو الجذر الذي يغذيها، فإذا صلح الجذر طاب الثمر، وإذا فسد الجذر ظهر الفساد في الأغصان والأوراق والثمار. ولذلك كان أعظم ما يعتني به العاقل إصلاح قلبه قبل إصلاح مظهره، وتهذيب أخلاقه قبل محاسبة غيره، لأن كل إناءٍ بما فيه ينضح.
✍️ عبد العظيم كحيل
تعليقات
إرسال تعليق