يوم أعلنت حروفي إضرابها

الكتابة بالنسبة لي عالمي الخاص الذي أعيش فيه بعيدًا عن حياتي وواقعي، أعيش فيها أحلامي وأحققها بين أسطر دفاتري.

كنت أكتب بكل ما أملك من إحساس، أترجم المشاعر إلى كلمات تلامس أوتار القلوب، وتملكني الشغف بالكتابة. كان عالمي الجميل الذي أحياه وأستمتع بكل دقيقة فيه، وكأن الحروف سكنتني وتخللت روحي، فأصبحت ترفرف بين جنبات صدري.

كتبت كثيرًا من النصوص التي نالت إعجاب الكثير من القراء والمتابعين، وحصلت على العديد من شهادات التقدير، فالكتابة كانت حلمي الخاص، الذي حققته بعد أن حققت أحلام من تحملت مسؤوليتهم.

بدأ الحزن يتسلل رويدًا رويدًا إلى نفسي، وزادت فترات صمتي، وبدأت الضحكات تتحول إلى ابتسامات هادئة أخفي بها شعورًا غريبًا يسكنني.

ومع مرور الأيام فقدت الشغف بالحياة، وأظلمت الأنوار من حولي. كنت أنظر لمن حولي فلا أعرفهم، وكأنهم غرباء عني، لا أعرف حتى أسماءهم، برغم أنهم أقرب الناس إليّ... إنهم عائلتي، لكنني كنت أخاف منهم، ولا أعرف لماذا.

هنا تحولت حياتي الجميلة إلى كؤوس من العذاب؛ صمت، وسكون، وهروب من الواقع، وقوقعة نسجت حولي سياجًا حديديًا لا أعرف كيف أنفذ منه.

ومع مرور الوقت أعلنت حروفي إضرابها.

هجرتني الكلمات دون سابق إنذار، وتبعثرت سطور دفاتري. حاولت كثيرًا البحث عن جملة واحدة أكتبها، أتشبث بها، ولكن دون جدوى، فلم يكن هناك سوى الصمت.

أمسكت قلمي كثيرًا، محاولة الكتابة، كنت أراقصه بين أناملي، ثم يعود خالي الوفاض. حتى الرسم فشلت 

في التعبير من خلاله.

كانت الأفكار تتزاحم حبيسة في صدري، 

لا أعرف كيف أعبر عنها أو أطلق سراحها.

تحول بياض الصفحات أمامي إلى جدار مرتفع أعجز عن تجاوزه، وتحول الوقت بالنسبة لي إلى مسافات شاسعة 

لا أستطيع عبورها.

كنت أختنق بالكلام، لا أستطيع قوله أو التعبير 

عما يدور بداخلي.

فقدت شغفي بمن حولي، وبالأشياء الجميلة 

التي كانت تمنحني الحياة.

تحولت إلى إنسان آلي بلا هوية، بلا روح، فاقدًا طعم الحياة.

أصبحت الأيام نسخة واحدة لا تتغير، 

كل يوم يحمل البداية نفسها والنهاية نفسها.

كنت أبتسم لمن حولي ابتسامة هادئة أخفي خلفها تشتتي.

شعرت بأن روحي أثقل من أن تحملها كلمات تعبر عنها.

فقدت نفسي وصورتي القديمة المفعمة بالحياة، تلك التي كانت تتخذ من الكتابة ملاذًا لها.

كانت الحروف بعيدة جدًا عني،

 برغم أنها سكنت روحي سنوات طويلة.

كنت كلما حاولت الكتابة أبكي، وأشعر بالشلل في يدي.

كان الصمت يعلو ويعلو حولي، صوتًا أعلى من أي كلمات.

تسرب الحزن وسكن أيامي كلها، ولم ألحظ تسربه منذ البداية.

كنت أنظر إلى دفاتري بحزن، وبحنين يشق صدري بألم مدفون بداخلي.

كنت أقرأ نصوصي السابقة وكأن شخصًا آخر هو الذي كتبها.

كنت أخشى أن أفقد حبي وعلاقتي بالكلمات إلى الأبد.

شعرت أن نافذتي التي كنت أطل منها على الحياة قد أُغلقت.

حتى القمر، صديق عمري، لم أعد أفهم حديثه إليّ، 

كنت أنظر إليه وكأنه غريب عني.

مرت أيام طويلة جدًا، حاولت فيها النهوض 

من فراشي الذي أصبح عالمي كله.

قاومت وقاومت كثيرًا، كنت أقع وأتهاوى، 

وأمد يدي طلبًا للمساعدة.

كانت أيامًا صعبة مريرة،

 مرارتها ما زلت أتذوقها في حلقي، أيامًا بل سنوات.

حاولت الرجوع إلى حياتي،

 وبحثت عن نفسي بين السطور، 

فلم أجد غير الفراغ والصمت.

تساءلت كثيرًا:

هل خانتني الحروف أم أنني أنا التي ابتعدت عنها؟

كانت الكتابة تسكن قلبي، لكنها لا تصل إلى أطراف أصابعي.

ظل صوت خافت بداخلي يتردد، يرفض الاستسلام رغم السجن الذي عشت بداخله، ورغم فقداني الشغف بالحياة.

وبعد غياب دام خمس سنوات، عاد جزء من روحي.

أحببت الحياة بعض الشيء، وآمنت أن وجود الأمل هو الحياة.

عادت كلمة صغيرة تراودني، وتلعب بخاطري، وتطرق قلبي من جديد.

لحقتها كلمة أخرى، ثم جملة أخرى.

كتبت جملة تحمل معنى جميلًا، فأدركت حينها أن الحروف لم تمت بداخلي، بل كانت تستريح من وجع طويل.

عادت كلماتي من بعيد، فاحتضنتها بكل قوتي كما يحتضن الغائب عن وطنه بعد سنوات من الفراق.

عادت روحي ترفرف من جديد بين جنبات صدري بعد رحلة معاناة مع ألم صامت اسمه الاكتئاب الجسيم.

ذلك المرض كفيل بأن يقتل صاحبه ببطء، ولكن إيماني بالله، وقوة إرادتي، وحب من حولي، كانوا جسر العبور الذي أعادني إلى الحياة.

لقد أنهت حروفي إضرابها...

عدت إلى الكتابة، أكتب وأكتب وأكتب، وأتنفس كلماتي من جديد، فقد أدركت أن الحروف لم تهجرني يومًا، بل كانت تستريح من وجع طويل. أما اليوم، فقد عادت روحي معها لتحلق من جديد، وأصبحت الكتابة عطر حياتي الذي يفوح بالأمل بعد سنوات من الألم.

بقلم/ عبير جلال الإسكندرية 7/6/2026

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة