مَرافِئُ النَّفْيِ الأَخِير

قلمي: سليمان شاحوذ علي العراق 🇮🇶


إلى الذين عبروا كالعاصفة... وتركوا خلفهم طيناً يجيدُ الجحود


سألتُها...


والليلُ يقطرُ من جفونِ الوقتِ سُمّاً وخراباً، والريحُ تجلدُ جدرانَها بأنينٍ مبتورٍ في أروقةِ الدارِ العتيقة.


سألتُها عن الذين استوطنوا دمي يوماً ثم مضوا، وتركوا على الآجرِّ اليابسِ أثرَ أصابعِهم، وشهقةَ ضحكاتٍ صارتْ عويلاً، وأمانيَ مذبوحةً على عتباتِ الغياب.


فما أجابت... كأنَّ الدارَ أوصدتْ قلبَها في وجهي، واستحالتْ حجراً لا يعرفُ رحمةً ولا بكاء.


حتى النوافذُ، تلك التي كانتْ تنثالُ نوراً إذا مررنا، ألفيتُها شاخصةً، باردةً، كقبرٍ نبشَهُ النسيانُ فأكلَ ما تبقّى فيه من روح.


وأهلُها...


مضوا كأنهم لم يولدوا هنا، تنكّروا للذكرى، ولم يلتفتوا وراءهم نظرةَ وداع.


رحلوا...


فشاخَ المكانُ دفعةً واحدة، وصار الصمتُ ينبتُ في زواياه كعشبٍ مسمومٍ يقتاتُ على عظامِ الغياب.


وأنا...


كلما ضاقتْ بي المنافي، عدتُ إليها مكسورَ الجناح، أجرُّ خلفي نعشاً من الخيبات.


أقفُ عند العتبةِ الرمادية كآخرِ طريدٍ لفظته الأرض، وأُنصت...


فلا صوتَ ينهضُ من الرماد، ولا وجهَ يخرجُ من مقبرةِ الذاكرة، ولا نافذةً تذكرُ اسمي بعد كلِّ هذا الخراب.


فلا أرتدُّ إلا والريحُ تصفعُ وجهي، وقلبي يهوي، مُهشَّماً ومهجوراً، في قاعِ الحنينِ المظلم... بلا قرار.

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة