النظام ليس معطلاً… إنه مصمم

قصة قصيرة

في الليلة التي انطفأت فيها النجوم، لم يسمع أحد الصراخ.

فقد اعتادت البشرية منذ زمن طويل على الصمت.

وفي أسفل الهرم العظيم، حيث تتكدس المليارات مثل حبات الرمل، عاش رجل يدعى "يونس بن عمران"، موظف أرشيف بائس، بدين قليلاً، مدمن قهوة رخيصة، وصاحب موهبة خارقة في خسارة كل شيء؛ المال، الحب، وحتى فردة جواربه اليمنى.

كان يعتقد أن العالم فوضوي.

حتى وجد المصعد.

كان المصعد مخفياً تحت قبو المكتبة الوطنية المهجورة، خلف رف يحمل كتباً لم يقرأها أحد، وعليه عبارة محفورة:

"النظام ليس معطلاً… إنه مصمم."

ضحك يونس.

ـ يا سلام! حتى المصاعد صارت فلسفية!

ضغط الزر.

لكن المصعد لم ينزل.

بل صعد.

وصعد.

وصعد.

حتى خرج إلى مكان لا يشبه الأرض.

هرم أسود يمتد إلى ما وراء الغيوم، وكل طبقة فيه تعج بالمخلوقات والوجوه والأسرار.

وعند البوابة استقبله رجل قصير أصلع يرتدي بدلة خضراء ويحمل دفتر حسابات.

قال:

ـ أهلاً بك في الإدارة.

ـ إدارة ماذا؟

ـ إدارة البشرية طبعاً.

ـ مزحة؟

ـ لا، نحن لا نملك ميزانية للكوميديا.

في القمة جلس "الشيطان المخادع".

لم يكن مرعباً كما تخيل يونس.

كان عجوزاً متعباً يضع نظارة سميكة ويصرخ في الموظفين:

ـ من المسؤول عن الحروب الأخيرة؟!

ـ سيدي، النظام الآلي.

ـ ومن المسؤول عن التضخم؟

ـ النظام الآلي.

ـ ومن المسؤول عن نشر التفاهة؟

ـ المؤثرون يا سيدي.

تنهد الشيطان.

ـ أقسم أنني أخذت إجازة منذ قرنين، وكل شيء ينهار وحده.

في الطبقة الأولى، حيث أسياد الدمى، جلس المتنورون حول طاولة مستديرة.

لكن المفاجأة أن الاجتماع كله كان كارثة.

أحدهم نسي كلمة المرور.

والثاني نسي خطة السيطرة.

والثالث كان يشاهد مباريات كرة القدم.

أما مولول سيد التضحية، فقد كان نباتياً يكره رؤية الدم.

وبعل سيد الأرض، كان يعاني حساسية من التراب.

قال يونس مذهولاً:

ـ هؤلاء يديرون العالم؟

أجاب الحارس:

ـ للأسف.

في طبقة سماسرة الطاقة، كانت شركات السلاح تتشاجر مع البنوك، والبنوك مع العائلات المالكة، والعائلات المالكة مع رجال المعرفة.

كان الجميع يخطط للسيطرة على الجميع.

لكن أحداً لم يقرأ التقارير.

فامتلأت القاعات بالمؤامرات المتناقضة.

حتى إن حرباً كاملة اندلعت بسبب موظف أخطأ بين زر "إرسال" وزر "حذف".

ومات مئات الآلاف…

بينما كان الموظف نفسه يبحث عن الشاحن.

وفي طبقة آليات السيطرة، رأى يونس المؤسسات العملاقة.

الكل يبيع شيئاً.

الإيمان.

الخوف.

المال.

الأخبار.

الأدوية.

الأحلام.

حتى الذكريات.

وكان شعارهم واحداً:

"إذا كان البشر سعداء، فلن يشتروا شيئاً."

أما الطبقة الرابعة، أدوات التوجيه، فكانت مدينة كاملة من الشاشات.

المشاهير يصرخون.

الإعلام يصرخ.

الهواتف تصرخ.

الجميع يصرخ.

ولا أحد يسمع.

وفي وسط المدينة وقف مهرج عجوز يبكي.

سأله يونس:

ـ لماذا تبكي؟

قال:

ـ كنت ممثلاً كوميدياً.

لكن الناس لم يعودوا يضحكون.

صاروا يستهلكون الضحك مثل الإعلانات.

ثم مات المهرج واقفاً.

ولم يلاحظ أحد.

وفي طبقة الوهم، وجد يونس أربعة ملوك:

الخوف.

الكراهية.

الطاعة.

والاستهلاك.

كانوا هياكل عظمية ضخمة تتغذى على مشاعر البشر.

لكنهم كانوا يحتضرون.

قال ملك الخوف:

ـ البشر لم يعودوا يحتاجوننا…

لقد صاروا يصنعون خوفهم بأنفسهم.

وقال ملك الكراهية:

ـ أصبحوا يكرهون بعضهم مجاناً.

وقال ملك الطاعة:

ـ حتى العبيد لم يعودوا يثقون بالسلاسل.

أما ملك الاستهلاك فضحك حتى تساقطت أسنانه الذهبية:

ـ لقد جعلتهم يشترون أشياء لا يحتاجونها… ثم يقترضون المال ليشتروا أشياء أخرى… يا لها من نكتة رائعة!

ثم انفجر ضاحكاً حتى مات.

وعندما وصل يونس إلى قاعدة الهرم، ظن أنه سيجد الجماهير المستعبدة.

لكنه وجد الناس فقط.

أمهات يضحكن.

أطفالاً يلعبون.

شيوخاً يسقون الأشجار.

عشاقاً يتشاجرون ثم يتصالحون.

وباعة خبز يغنون.

فسأل الحارس:

ـ أين العبيد؟

أجاب الرجل العجوز:

ـ لم يكونوا هنا أبداً.

العبودية الحقيقية كانت في رؤوسهم.

وفجأة اهتز الهرم كله.

الشيطان يصرخ.

المتنورون يركضون.

البنوك تنهار.

الشاشات تنطفئ.

والجميع مذعور.

صرخ يونس:

ـ ماذا يحدث؟!

ابتسم الحارس.

ـ حدث أمر لم يكن في الحسبان.

ـ ماذا؟

ـ البشر…

بدأوا يفكرون.


وفي أعلى السماء، بينما كان الهرم العملاق يتشقق، سمع يونس ضحكة عجوز متعبة.

كان الشيطان نفسه.

يجلس على كرسيه المكسور، ويشعل غليونه قائلاً:

ـ أخيراً…

أخيراً سأحصل على تقاعدي.

ثم انهار العرش.

واختفى الهرم.

واستيقظ يونس في المكتبة المهجورة.

وبجانبه ورقة صغيرة كتب عليها:

"احذر…

فالأنظمة التي تبنى على الخوف لا تسقط بالثورات دائماً…

أحياناً تسقط عندما يضحك الناس عليها.

ومنذ ذلك اليوم، صار يونس يضحك كثيراً.

حتى في الجنازات.

الأمر الذي جعل الجميع يعتقد أنه مجنون.

وربما…

كان الوحيد الذي لم يعد كذلك.

الكاتب بلعربي خالد

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة