قصة قصيرة
مَمَرَّاتُ الصَّقِيعْ
تَمَدَّدَ شَالُهُ بِفَرَحْ، شَهَقَ عِطْرُهُ بِصَلَاةْ، لاحَقَتْهُ خَصْلَةٌ رَكَنَتْ عَلَى كَتِفٍ وَبَدَأَ يَعْدُو، كَأَنَّمَا الأَعْشَابُ السَّاهِيَةُ اسْتَيْقَظَتْ لِتَجُوبَ رِحَابَ الأَمَلْ.
تَنَفَّسَتْ أَحْلَامُهُ، شَهَقَتْ، وَهِيَ تُلَاحِقُ أَزِيزَ سَيَّارَتِهِ؛ وَأَفْكَارُهُ تَعْدُو لَاهِثَةً خَلْفَ مِقْوَدِهِ المُتَهَالِكِ بَيْنَ يَدَيْهِ، يَنْظُرُ فِي مِرْآتِهِ فَلَا يَرَى سِوَى عَيْنَيْهَا..
اليَوْمَ سَيَلْتَقِيهَا!
مَمَرَّاتُ الصَّمْتِ بَدَأَتْ تُجَنْدِلُ الوَقْتْ، كَؤُوسٌ ابْتَلَعَتْ رَنِينَهَا دَاخِلَ الصَّخَبِ المَجْنُونِ، مُوسِيقَى... رُبَّمَا دَقَّاتُ قَلْبِهِ.
أَيْنَ هِيَ؟
عَيْنَاهُ تُرَافِقَانِ الأَبْوَابَ الصَّامِتَةَ، لَا أَحَدْ..
بَدَأَ يَلْتَهِمُ أَحْلَامَهُ... يَلُوكُ الوَقْتَ وَيَثْمَلْ.
تَوَحَّدَ اللَّيْلُ بِمِشْيَتِهَا، فَبَاتَتِ الظِّلَالُ سِحْرَهَا وَظِلَّهَا، تِلْكَ النَّجْمَةُ تَسَاقَطَتْ عَلَى خَدِّهَا، وَذَاكَ البَرِيقُ تَوَهَّجَ.. فَأَصْبَحَ جِلْبَابُهَا يَزِفُّ مَمَرَّاتِ الضَّوْءِ، فَبَانَتِ الرُّوحُ رَفِيقَةَ عِطْرِهَا.
قَلْبُهُ اتَّكَأَ بَيْنَ الضُّلُوعْ،
عَيْنَاهَا سَكَنَهُمَا الصَّقِيعْ،
أَقْدَامُهُ دَفَعَتْهُ بِتُؤَدَةٍ، يَدَاهُ شَعَرَتَا بِالِاسْتِسْلَامِ، فَلَا عِطْرُهَا انْتَفَضْ، وَلَا ثَغْرُهَا فَاحَ مِنْهُ رَحِيقُ السَّلَامْ.
جَلَسَتْ.. لَمْ تَنْظُرْ فِي عَيْنَيْهِ.
كَالمَحَارِبِ المَكْسُورِ المَقْهُورِ،
صَدْرُهُ إِعْصَارْ وَأَنْفَاسُهُ نَارْ،
ارْتَشَفَ بَقَايَا صَبْرِهِ، تَرَنَّحَ بِنَظْرَةِ أَلَمٍ وَوَقَفَ أَمَامَهَا قَائِلاً
"غَابَ عَنْكِ رُوحُ اليَاسَمِينْ، نَجْمُكِ آفِلٌ مِسْكِينْ، فَلَا أَرَى سِوَى تِمْثَالٍ مِنْ طِينْ!".. وَخَرَجَ مُسْرِعاً فِي قِمَّةِ غَضَبِهِ.
مَفَاتِيْحُهُ انْكَمَشَتْ مَخَافَةً مِنْ خُشُونَةِ يَدَيْهِ، لَكِنَّهُ وَهُوَ يَعْبُرُ الطَّرِيقَ
سَمِعَ صَوْتَ امْرَأَةٍ كَانَتْ تُثَرْثِرُ لِرَفِيقَتِهَا: "تِلْكَ.. تِلْكَ المَرْأَةُ صَاحِبَةُ الرِّدَاءِ الأَسْوَدِ، هَا هِيَ السَّيِّدَةُ الَّتِي فَقَدَتْ نَظَرَهَا حِينَ هَجَرَهَا حَبِيبُهَا!"
سهى زهرالدين
تعليقات
إرسال تعليق