سفينة الخيال - الليلة السابعة


في الليلة السابعة من ليالي سفينة الخيال، ذهبتُ إلى الشاطئ مسرعةً، فأنا منهكةٌ من الحياة وما فيها. وعندما وصلتُ تنفستُ وشعرتُ بالحرية، ووجدتُ رفاقي في عتمة الليل يجلسون ويستمعون إلى صاحب الصوت الجهور وهو يغني. كيف هذا؟ لا أعلم! لكنه كان يجذب انتباههم بصدقه وإتقانه فن الغناء، فوقفتُ أستمع في هدوءٍ حتى انتهى من الغناء، فقلتُ: ما هذا الصوت؟ من أين لك هذا؟ وضحكتُ.


قال: قلبي الذي يغني لا صوتي، أليس جميلاً؟


قلتُ: بلى، جميلٌ جداً، والبرهان هو سماع رفيقك المحارب وهو يدندن معك، وصاحب الشعر الأسود يغني مثلك. أهلاً بكم يا رفاقي.


فردوا جميعاً: أهلاً بكِ يا أميرة الليل.


فقلتُ: هيا نركب السفينة ونبدأ رحلتنا.


فقالوا: هيا بنا نبدأ.


قلتُ: هيا أيها المحارب، أغمض عينيك.


فأغمض عينيه ثم قال:


«ها هي الفتاة ذات العيون السوداء، فالسواد هنا فقط في عينيها، بينما الألوان تنتشر مع الورود في ردائها الطويل. هي فتاة من الشرق، والشرق آنذاك كان يمتلك الكثير من الكنوز، وكانت فيه عائلات ثرية جداً، وهي تنتمي إلى واحدة من هذه العائلات. وكانت تبتسم وتضحك بصوت خافت، أما حين تكون مع رفيقاتها من الفتيات فتضحك بصوت عالٍ ولا تخشى أحداً. وكان صوت ضحكاتها يثيرني، فأتبعها في كل مكان، وخفق قلبي، وكان الحب ينتظر الترحاب، هذا ما كنت أظنه، ولكن الحقيقة أنني وقعت في حبها من الوهلة الأولى، ودخل الحب قلبي من دون استئذان. وها هو الفارس الهمام يتلصص على الفتيات ليرى عيوناً سوداء! هذه هي المرة الأولى التي أرى فيها ياسمينتي، ومن بعدها عشقتُ الياسمين ورائحته».


وفتح عينيه وهو يبتسم، ونحن معه نبتسم، فنظرتُ إلى صاحب الشعر الأسود وقلتُ: وأنت، ألا تغمض عينيك قليلاً وتبحر معنا؟


قال: نعم، سأغمض عيني.


فأغمض عينيه ثم قال:


«أأنتِ؟ كلما ذهبتُ إلى مكانٍ أجدكِ أمامي، اذهبي!»


وسكت، ثم قال:


«يا ليتني لم أقابل حبها بالصد! هي فتاة جميلة، لِمَ لا أجرب الحب معها؟ فهي مغرمة بي وأنا شاب في مقتبل العمر، ولكن ماذا كنتُ سأفعل أمام نظراتها وعينيها تسألني ألف سؤال؟ هربتُ منها لأنني أحب فتاة أخرى، ويا خيبة أملي! لقد فعلتُ كل شيء لأخطف قلبها، وباءت كل محاولاتي بالفشل، وفقدتُ أملي فيها حين اعترفت لي بحب رجل آخر. أنا الشاب الوسيم، تحطم قلبي وأعيش وحيداً في ليلي الطويل، وربما أعيش في جبٍّ عميق جراء ما فعلته في قلوب صادقة، ونظرت لهم نظرةً متعالية».


وفتح عينيه الحزينتين ونظر إلى الخلف.


فقلتُ: وأنت يا من غنّى قلبه، ماذا عنك؟


قال: سأغمض عيني.


فأغمض عينيه وسكت قليلاً ثم قال:


«غنيتُ الليلة من قلبي أغنيةً كنتُ أغنيها لحبيبتي في صبانا، فكانت تفرح عندما أغني رغم صوتي الجهور، وكانت تراني طفلاً صغيراً، وكنتُ أفرح كثيراً وكأنني ألعب معها لعبةً صادقة. فهي تحب كل شيء أفعله، وتقبلني كما أنا، وكانت أيامنا تمر كفرحة عمر».


وفتح عينيه.


فنظر إليَّ المحارب المخضرم وقال: هيا يا أميرة، أغمضي عينيكِ.


فأغمضتُ عيني مستسلمةً للنداء، وكأني أسمع صوتاً من بعيد يقول لي: تقدمي.


وكنتُ أخطو الخطوات بحذر، لعله خطر، ثم وجدتُ نفسي أسقط في مكان عميق واصطدمتُ بالماء، ثم أكملتُ السقوط، واعتقدتُ أنني أموت وأن هذا الشعور هو خروج الروح، فتلقّتني يدٌ خفية وحملتني إلى أرضٍ خفية، وظهر صاحب الصوت وقال:


مرحباً.


قلتُ في خوف: من؟


قال: ألا تعلمين مع من أنتِ الآن؟


فقلتُ: لا.


قال: تذكري.. أنا من أحب صوتكِ وعينيكِ وعطر أنفاسكِ وكلماتكِ الخالدة.


قلتُ: نعم، نعم! أأنت من يظهر في أحلامي؟


قال: نعم، أنا.


قلتُ: وما هذا المكان؟


قال: هذا المكان أرضي، وأنتِ أميرتي، وإن كنتِ لا ترغبين فيه سأعيدكِ، وإن تقبلي أعيش أنا معكِ على أرضكِ، فأنتِ أميرتي، فماذا ترغبين؟


فقلتُ: لا أعلم.. هل هنا أمان؟


قال: نعم، وإن كان هناك من لا يحب إنسيةً في بلاده.


فقلتُ: أنا إذاً في خطر!


قال: أنا أحميكِ وأفديكِ بروحي.


قلتُ: لا، أريد العودة إلى دياري وأنت معي، ولكن الناس ستسأل عن مظهرك الغريب، فأنت تشبه البشر لكنك مختلف.


قال: أختفي وأظهر لكِ فقط.


قلتُ: وإن رآك أحد، ماذا أفعل؟


قال: لا أعلم.


وأمسك بيدي فقبّلها وحملني، وكما سقطتُ صعدنا معاً.


وفتحتُ عيني وحدي، وكنتُ لا أرغب في فتحهما، فالحب جميل. فنظرتُ إليهم والصمت يسود المكان، لكن عيونهم كانت تقول إنني غريبة الأطوار.


فنظرتُ إليهم في خجلٍ وأردتُ الهروب.


فقلتُ: هيا يا رفاق، الفجر أرسل النداء.


فرحلنا على وعدٍ بلقاء.


بقلمي / ليلى رزق (عاشقة الليل)

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة