سفينة الخيال
بقلم ليلى رزق
في الليلة الثامنة من ليالي سفينة الخيال، ذهبتُ لشاطئٍ خيالي، فوجدتُ بعض أصدقائي في انتظاري: صاحبة الدمعة، ومعها رفيقة جديدة تنضم إلينا هذا المساء، تكبرها ببضع سنوات، ولكن شعرها طويل ويشبه الليل الجميل، والمحارب صاحب القلب الكبير.
فألقيتُ السلام، فردّ الجميع بالسلام والابتسام، فجلستُ بجوارهم وقلت: «هيا يا رفاقي، نبدأ رحلتنا».
فقالوا: «هيا يا أميرة الليل».
فقلت: «اختاروا أنتم اليوم، نبدأ بمن؟»
فاختاروا صاحبة الدمعة.
فقلت لها: «هيا، أغمضي عينيكِ».
فأغمضت عينها وتنهدت، ثم قالت:
"كم مرة يأتيك الزمان بحبٍ كهذا؟ كم مرة تسقط في مصيدة الحب، وتكتشف أنك غرقت في عيونٍ حمئة؟ كم مرة تحلق حول النور كالفراشة وتحترق أجنحتك؟ أعتقد أنها مرة واحدة فقط؛ يسقط الإنسان في مصيدة الحب ويحترق من الداخل، بينما يظل واقفًا متأملًا في الواقع حتى يفهم أن الجحيم من صنيعة من سلّم له روحه قبل قلبه، ثم يستجمع قواه ويمضي مشتعلاً، تاركًا حبه في الخلف ويبتعد.. ومع مرور الوقت يتأكد أن الحب مات، أو ربما لم يكن موجودًا إلا في مخيلته! ويبقى طوال حياته يخاف من الاقتراب؛ إن رأى شعاع نورٍ يلوح له ويبتسم، يهرب مسرعًا مخافة الاحتراق، فهو ما زال مشوهًا من الداخل."
وسكتت قليلًا، ثم فتحت عينها.
فقلت: «مَن التالي يا رفاقي؟ ولعلم الرفيقة الجديدة، من قوانين الإبحار في سفينة الخيال: لا تعليق على ما يُقال من أحلام الخيال».
فقالت: «نعم، نعم، أوافق عليها في كل حال، وأريد أن أركب السفينة الآن».
فقلت: «هيا، أغمضي».
فأغمضت عينها وبدأت تقول:
"من أنت أيها الرجل العنيد؟ هل أنت الشاعر الرقيق؟ أأنت صاحب الإحساس؟ أأنت أول من كتب الشعر الحديث؟"
فيرد قائلًا:
"أتسخرين مني يا حسناء الوادي؟"
فأقول:
"وكيف لي أن أسخر منك وأنت فقط شاعر غريب الأطوار، وفي الليل عكس النهار؟
كيف تجيد كتابة كلمات الغزل وكأنك تنسج نسيجًا؟ كيف تكون الرجل الخجول أمام الناس، ومعي لا تعرف الحياء؟ طيفك يراودني في كل مكان؛ أراك في وجوه الرجال، أراك في الشوارع وفي الأركان. أريد أن أوقفك كتمثالٍ أمامي وأحوم حولك كي أعرفك من الخارج، ثم أدخل إليك وأجوبك من الداخل! أريد أن أرى كيف يعمل عقلك، أهو مجموعة من التروس تدور في الداخل وتتحكم في كل الصغائر والكبائر؟ أين يختبئ القلب المحب الشغوف؟ من أنت؟ أأنت الرجل الحنون؟ أم عندك كل شيء يهون؟ أنت القريب وأنت البعيد، أنت العتيق وأنت المتحرر الحديث.. يا تُرى مع مَن أعيش؟"
وفتحت عينها.
فقال المحارب: «أنا الأخير».
فقلت: «سأغمض عيني».
وأغمضتُها وبدأتُ أبحر..
فوجدتُ نفسي أمشي في اتجاه البحر، وأتقدم في الخطوات حتى وصلتُ للقاع.. شعور جميل وأنا أتحول لكائنٍ بحري يعيش في القاع! وأكملتُ المسير على الرمال وأنا أهذي وأقول:
"كيف تخطئ الروح مثلما أخطأت روحي؟ أأنت الشبيه الذي عشقته، أم أنت لص المشاعر والمخادع البارع؟ أأنت مني وأنا منك، أم أنت شبيه الروح الزائف؟ أقسمتُ عليك بحق الهوى أن تقول حقيقتك المتقلبة كموج البحر الذي لا يهدأ أبدًا! كل ما جنيته هو صدقي معك، ومكافأتي هي الحرمان والخوف والدموع العاصية.. حتى دموعي تكرهني وتكره أن تسقط لتريح قلبي. كرهتُ نفسي وكرهتُ العالم، ومن أجل عينيك كرهتُ الهوى! وكيف لا أكرهك وما زالت التي أحببتكَ في داخلي تسألني عنك وعن غيابك؟ وإن قلتُ لها: «كان كاذبًا منذ البداية»، تدافع عنك وتذكرني بصدق اللحظات الأولى في الحكاية، وكيف كنتَ طفلًا معها! أقول: أين هو الآن؟ أتعلمين مع مَن يكون؟ مع واحدة أو اثنتين؟ أم يتقلب في النعيم ويشرب من دماء الضحايا؟ اصمتي أيتها الطفلة البريئة، وتجردي من ردائك الأبيض الشفاف، وتلوني كالحرباء لعلكِ تجدين عند الرجال مكانًا! فالصدق يجذب الكذب، والحب يجذب الكره والانتقام لمجرد أنه موجود، والأبيض يجذب السواد ليمحوه من الوجود، والعين التي تفرح برؤية حبيبها تحزن من غير حدود. يقتل الرجل المرأة لصدقها وحبها المعهود، ويلقي بنفسه في حضن كل حرباء لعوب! اختاري أيتها البريئة بين التلون وإتقان فنون الحرب، وبين التنحي جانبًا ولا تصدري أي صوت."
فترد قائلة:
"لا أعلم ماذا أفعل بحالي.. لا أعلم؛ أأبحث عن ذاتي، أم أبحث عن الحب الذي في خيالي؟ لا أعلم كيف تنتهي معاناتي، أو كيف تنتهي حياتي!"
وفتحتُ عيني، ولا تجرؤ دمعة واحدة على السقوط من عيني.
ثم التفتُّ إلى المحارب وقلتُ له: «الآن جاء دورك، أغمض عينيك وابدأ بالإبحار».
فأغمض عينه وانطلق في خياله وهو يقول:
"هيا يا رفيق روحي، أطلق العنان وسارع الريح، فأنت البطل الهمام! ها هو جوادي الأسود يا سادة يحملني فوق ظهره ويطير..
(فيقول الجميع: عجبًا! ما هذا الفرس الأصيل؟)
خضنا مع بعضنا حروبًا كثيرة، وأيضًا أوقاتًا سعيدة.. وليلة زفافي حملني وزوجتي وهربنا إلى العش الجميل. عشتُ معك شبابي وأنا بك فخور!
قل لي يا صديقي: ما هو الجنون؟ أيكون الهروب في الليل بين الأشجار حتى الصباح، أم التجول في شوارع القرية قبل الفجر؟ أيهما أجنّ وأجمل؟ ها.. ماذا؟ الهروب بين الأشجار؟ نعم، أوافقك الرأي، سنفعلها غدًا!"
وفتح عينه وهو يبتسم ويقول: «أحب هذا الجنون».
فقلنا: «الصباح لاح، هيا يا صاحب الجواد والجنون».
فقال: «هيا يا نساء الخيال الباكي، على وعدٍ بلقاء».
بقلمي/ ليلى رزق
تعليقات
إرسال تعليق