يتيم الغرام

نص موثق بقلم عبير جلال

عندما يأتي الشتاء ويسود الظلام الأرجاء، أجلس بجوار نافذتي أرتشف فنجان قهوتي الساخن، أنظر إلى السماء فأرى النجوم تختفي خلف السحاب، وأراقب القمر وهو يزين السماء بنوره الخافت.

بداخلي قصة حب لم تكتمل، كانت غايتي في الحياة.

ومع جلوسي بمفردي أتساءل: هل يمكن للإنسان أن يصبح يتيمًا وهو على قيد الحياة؟

كنت أظن أن اليتم هو يتم الأب أو الأم فقط، لكنني عرفت يتمًا من نوع آخر، لا تراه العيون ولا يشعر به أحد ممن حولي، إنه نار مشتعلة بداخلي لا تنطفئ مهما مرت السنوات.

إنه يتم الغرام...

إنه ذلك الفراغ القاتل الذي يتركه من أحببناهم بصدق، حين يصبح القلب مهجورًا بعد أن كان يفيض بالحب والحنان.

قبل أن تظهري في حياتي كنت إنسانًا عاديًا، أعيش أيامي كما يعيشها من حولي، أفرح قليلًا وأحزن قليلًا، حتى ظهرتِ دون أي مقدمات، ودون موعد، فتغيرت حياتي كلها.

أصبحت أسير حبك، أحببت الحياة، وأحببت وجودك بجانبي، وكنت أبحث عن صوتك بين الأصوات، وعن ملامحك بين الوجوه.

كنتِ أنتِ تفاصيل يومي المعتاد، وكنتِ وطني الذي أحتمي فيه من قسوة الحياة، وكنتِ مرفأ الأمان حين تتعبني الأيام.

أبدًا لم يكن حبًا عابرًا، بل كان أعمق من كل إحساس، لا تصفه الكلمات، شعورًا كبزوغ الفجر في السماء، كشعاع يتسلل إلى ظلام غرفتي فيعيد إليها الحياة.

كنتِ الأمل والأحلام، وكنتِ لي إلهام العشق والغرام.

كنتِ أنفاسي في صدري، وكنتِ الدم الذي يهبني الحياة.

كانت مشاعري تجاهك مشاعر كلها صفاء ونقاء، حبًا قادرًا على أن يهزم العادات والمسافات.

وقفت أدافع عن حبي بكل قوة وشجاعة، وقفت في وجه التيار، أدافع وأدافع وأدافع، حتى خارت قواي، وانهزمت تحت جبروت الاختيار.

فالأقدار تأتي بغير ما نتمناه.

فجأة تبدلت الأحوال، وأصبحت تفصلنا المسافات، وصارت التحديات أكبر من قدرتي على الاحتمال.

ومع مرور الأيام غابت ملامحك عن أيامي، كما تغيب الشمس خلف الغمام.

رحلتِ...

ورحل جزء كبير من قلبي معك.

منذ ذلك اليوم وأنا لست على ما يرام.

أظهر بقناع يخفي أوجاعي، وأبدو وكأنني بخير، أبتسم لمن حولي وأتحدث إليهم كأن شيئًا لم يحدث، وأمارس تفاصيل حياتي كما يجب.

أما الحقيقة التي لا يعلمها أحد، فهي أن بداخلي قلبًا يتعذب، يبكي وحيدًا على أطلال حب كان يومًا أجمل ما فيه.

كثيرًا ما أتظاهر بالقوة، لكنني أنهزم أمام ذكرياتي.

حين أستمع إلى أغنية كنا نحبها، أو أشم رائحة عطر تشبه عطرك، أو أمر بمكان ما زال يحمل أجمل ذكرياتنا، أو أسير في طريق مشينا فيه يومًا معًا.

حتى كلمة عابرة قد تعيد إليَّ أجمل الذكريات.

أشياء صغيرة جدًا، لكنها كفيلة بأن توقظ بركان

 وجع نائم منذ سنين.

يقولون إن الحياة تسير، وإن الزمن كفيل بالنسيان.

ربما...

لكنه لا يمحو أثر من سكنوا القلب يومًا.

هناك أشخاص يرحلون من حياتنا، لكنهم يتركون خلفهم رصيدًا من الذكريات الكامنة في القلب.

كل طريق يحمل حكاية، وكل زاوية تحمل ضحكة،

 وكل لحظة مرت كانت تحمل حلمًا.

لقد أصبحت يتيم الغرام بعد رحيلك من حياتي.

قلبي لم يعد قادرًا على الحب كما كان،

 لأن جزءًا كبيرًا منه ما زال يحتفظ بحبك بداخله.

لا أنتظر عودتك، ولا أعيش في الماضي، لكنني أحمل لك مكانة لا ينازعك فيها أحد.

تعلمت بعد الفراق أن الحب الحقيقي لا يقاس بالمدة، بل بالأثر الذي يتركه في الوجدان.

فقد يعيش الإنسان عمرًا طويلًا مع من حوله دون أن يتركوا فيه أثرًا، وقد تمر روح واحدة فتغير حياته إلى الأبد.

والآن، بعد كل تلك السنوات، أقف أمام مرآتي وأسأل نفسي:

هل شُفي القلب من علته؟

فيأتيني الجواب بكل هدوء:

بعض الجروح لا تُشفى، لكننا نتعلم كيف نتعايش معها.

وبعض الأحبة لا يعودون، لكن ذكراهم تظل محفورة بين طيات القلوب، تعيش كضوء خافت ينير جزءًا من طريق مظلم.

أنا يتيم الغرام...

ولكنني لا أندم أبدًا على حب عشته بكل تفاصيله.

يكفيني أنني أحببت بكل صدق.

ويكفيني أن قلبي خفق يومًا حبًا لإنسانة عشقتها.

فالحب الذي يرحل رغمًا عنا قد يغيب من الواقع، لكنه يظل ذكرى خالدة في القلوب والذاكرة، لا تمحوها الأيام

،ولا تنال منها قسوة الحياة.


تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة