عندما تشرق الشمس
ابتلاني الله عز وجل بفقد البصر منذ الصغر، على إثر علاجٍ خاطئ من أحد الأطباء، ومنذ يومها تبدلت حياتي من نور إلى ظلام دامس، وعشت أعاني من هذا الأمر، وكلما سمعت همساتٍ أو ضحكاتِ الناس ظننت أنها سخريةٌ مني بسبب عدم الرؤية، فاشتد غضبي وانفعالي.
وقد تزوجت من فتاةٍ من قريتنا بعد إلحاحٍ من أمي أن أتزوج، رغم أنني كنت أقول لها: من ترضى بالزواج من رجلٍ ضرير؟ فكانت تضرب لي مثلًا بالدكتور طه حسين، عميد الأدب العربي في مصر، الذي كان فاقدًا للبصر، وعاش سعيدًا، وارتقى إلى مناصب مميزة، وهو ابن قريتنا، عزبة الكيلو، بمغاغة في المنيا.
ومنذ زواجي حاولت إخفاء مخاوفي من الزواج بفتاةٍ ترى، بينما زوجها لا يرى، وحاولت أن أعتمد على نفسي في الحركة حتى أشعر بأنني لا أختلف عن أحد، وحتى لا أكون عبئًا ثقيلًا على أي أحد، ولو كانت زوجتي.
والحق يقال: وجدتها زوجةً صالحة، حرصت بالفعل على أن تتعامل معي بصورةٍ عادية تمامًا، مراعاةً لمشاعري واحترامًا لي. فمثلًا، كان يمكنها أن تتركني في البيت ريثما تقوم بتوصيل الأولاد إلى المدرسة، لكنها كانت تحثني على الخروج معها كلما تقاعست عن ذلك، بل كانت – أحيانًا – تصحبني إلى إحدى الساحات الخالية، وتحثني على الجري لبضعة أمتار.
وذات ليلة نهضت مفزوعًا على أثر مرضٍ ألمَّ بزوجتي، فاشتدت مخاوفي عليها، ولم أدرِ ماذا أفعل. لو كنت أرى لصحبتها إلى أي مستشفى، أو اتصلت بأي طبيب، أو على الأقل أحضرت لها دواءً مسكنًا من صيدلية المنزل، ولم أجد سوى أن أضمها إليَّ بقوة، وأخفي عنها دموعي التي كانت تنهمر خوفًا وقلقًا عليها، ودعوت الله أن يشفيها.
قلت لها: زوجتي الحبيبة، لا بأس عليكِ، ليتني أحمل عنكِ الألم، ولا يصيبكِ شيء، وتبقين في أتم عافية.
فأجابت بصوتٍ خافتٍ ضعيف، وعباراتٍ متقطعة: لا تقل ذلك يا صلاح، سأكون بخير بعد قليل... لا تقلق.
وطلبت مني أن أساعدها على النهوض للذهاب إلى صيدلية المنزل، فاختارت دواءً مسكنًا وتناولته، ثم نامت على الفور. مسكينة، أخفت عني مرضها طوال الليل.
وفي اليوم التالي حدث ما لم يكن في الحسبان أبدًا، فقد كنت غارقًا في النوم لدرجة أن زوجتي لم تستطع إيقاظي للذهاب معها لتوصيل الأولاد إلى المدرسة، ولكنها عادت مسرعة، واحتضنتني بقوة من شدة الفرح، وأخبرتني بأن أحد الأطباء المتخصصين قد أخبرها بأنه يمكن علاجي من هذا المرض، وأن الأمل في الشفاء كبيرٌ للغاية، لأن فقد البصر قد جاء نتيجة خطأ، ولم أكن مولودًا به.
كنت صامتًا، ولا أدري ماذا أقول، ولم أصدق أن تنتهي معاناة السنوات الطوال بهذه البساطة المتناهية.
وفي الموعد المحدد أخذنا معنا جميع التحاليل والأشعة التي طلبها الطبيب، وذهبنا إليه، فاستقبلنا استقبالًا طيبًا، وعاتبني بشدة لأنني لم أهتم بعلاج بصري منذ البداية، ولا سيما أن مجال الطب في تطورٍ مستمر.
وبالفعل أُجريت العملية اللازمة، ومكثت في العيادة بعيدًا عن أي أتربة أو ضوءٍ شديد، وبعد بضعة أيام فكَّ الطبيب الأربطة عن عيني، وأول ما وقع عليه بصري زوجتي وأولادي، فأسرعت إليهم أضمهم إليَّ، والفرحة تشملنا جميعًا.
وهكذا أشرقت الشمس بعد ظلام الليل.
مع تحياتي
عبد الفتاح حمودة
تعليقات
إرسال تعليق