مَطَرٌ عَلَى ضِفَافِ الرُّوحِ
بِقَلَمِ: سُلَيْمَان شَاحُوذ عَلِي
فِي المَسَاءِ، كَانَتِ الرِّيحُ تُسَرِّحُ جَدَائِلَ النَّخِيلِ بِأَصَابِعَ مِنْ غُبَارٍ، وَكَانَ النَّهْرُ يَجُرُّ وَرَاءَهُ قَوَافِلَ مِنْ ظِلَالِ الغَرْقَى. وَحِيداً عَلَى الضَّفَّةِ، أُلْقِي فِي المَاءِ اسْمِي، يَعُودُ إِلَيَّ مُبَلَّلاً بِوَحْشَةِ السِّنِينِ. أُفَتِّشُ فِي المَوْجِ عَنْ صَبِيٍّ كَانَ يَرْكُضُ حَافِياً خَلْفَ أَسْرَابِ السَّنُونِينِ، فَلَا أَجِدُ سِوَى قَمَرٍ مَكْسُورٍ يَتَأَرْجَحُ فِي قَاعِ الذَّاكِرَةِ. يَا وَطَنِي، كَمْ نَخْلَةً انْحَنَتْ وَهِيَ تُحْصِي خُطَى الرَّاحِلِينَ؟ وَكَمْ بَاباً ظَلَّ مُوَارَباً كَقَلْبِ أُمٍّ أَضْنَاهَا الِانْتِظَارُ؟ يَمُرُّ المَطَرُ... فَتَنْهَضُ القُرَى مِنْ رَمَادِهَا، وَتَفُوحُ مِنَ الطِّينِ رَائِحَةُ الأَجْدَادِ، كَأَنَّ الأَرْضَ تَتْلُو عَلَى مَسَامِعِ الغِيَابِ صَلَاتَهَا القَدِيمَةَ. أَمْشِي، وَفِي صَدْرِي لَيْلٌ كَامِلٌ، لَكِنَّ النَّخِيلَ، كُلَّمَا اشْتَدَّتْ عَاصِفَةُ الأَسَى، أَشْعَلَ فِي دَمِي فَانُوساً مِنْ صَبْرٍ. فَأُدْرِكُ أَنَّ الَّذِينَ يُشْبِهُونَ الأَنْهَارَ لَا يَمُوتُونَ؛ إِنَّهُمْ يُوَاصِلُونَ جَرَيَانَهُمْ فِي قُلُوبِ الَّذِينَ يُحِبُّونَهُمْ.
تعليقات
إرسال تعليق