قال أحدهم ساخرا":

"الفرق بيني وبين الفيلسوف: هو يسأل لماذا نحن هنا؟، وأنا أسأل أين وضعت مفاتيحي."


قصة قصيرة 


الأُمُورُ الأَكْثَرُ إِلْحَاحًا !!!.


عِنْدَمَا بَلَغَ الدُّكْتُورُ جَابِرُ السَّبْعِينَ، أَعْلَنَ أَنَّهُ اقْتَرَبَ أَخِيرًا مِنْ حَلِّ السُّؤَالِ الَّذِي اسْتَنْزَفَ عُمْرَهُ كُلَّهُ: «لِمَاذَا نَحْنُ هُنَا؟». لَمْ يَكُنْ رَجُلًا عَادِيًّا؛ فَقَدْ أَمْضَى نِصْفَ قَرْنٍ بَيْنَ الْكُتُبِ وَالْمَخْطُوطَاتِ، وَخَرَجَ مِنْ مُؤْتَمَرَاتٍ أَكْثَرَ مِمَّا دَخَلَ مِنْ مَطَاعِمَ. حَتَّى أَوْلَادُهُ كَانُوا يُمَازِحُونَهُ قَائِلِينَ إِنَّ أَبَاهُمْ يَعْرِفُ تَارِيخَ الْكَوْنِ مُنْذُ الانْفِجَارِ الْعَظِيمِ، لَكِنَّهُ لَا يَعْرِفُ أَيْنَ تَحْفَظُ أُمُّهُمْ مَفَارِشَ السُّفْرَةِ.

فِي إِحْدَى الْأَمْسِيَاتِ جَلَسَ إِلَى مَكْتَبِهِ، وَأَمَامَهُ وَرَقَةٌ بَيْضَاءُ. قَالَ لِنَفْسِهِ:

— اللَّيْلَةَ سَأَكْتُبُ الْجَوَابَ النِّهَائِيَّ.

فِي تِلْكَ اللَّحْظَةِ رَنَّ الْهَاتِفُ.

كَانَ ابْنُهُ الْأَكْبَرُ.

— أَبِي، هَلْ تَسْتَطِيعُ أَنْ تُقْرِضَنِي بَعْضَ الْمَالِ حَتَّى آخِرِ الشَّهْرِ؟

— أَنَا مَشْغُولٌ بِأَمْرٍ مُهِمٍّ جِدًّا.

— أَعْرِفُ، لَكِنَّ صَاحِبَ الْبَيْتِ يُرِيدُ الْإِيجَارَ الْيَوْمَ.

أَغْلَقَ الْهَاتِفَ، وَنَظَرَ إِلَى الْوَرَقَةِ الْبَيْضَاءِ، ثُمَّ فَتَحَ تَطْبِيقَ الْبَنْكِ عَلَى هَاتِفِهِ. وَبَعْدَ دَقَائِقَ كَانَ سُؤَالُ الْوُجُودِ مَا يَزَالُ يَنْتَظِرُ، بَيْنَمَا كَانَ هُوَ يُحَاوِلُ تَحْوِيلَ الْمَالِ إِلَى ابْنِهِ.

عَادَ إِلَى مَكْتَبِهِ، وَمَا إِنْ أَمْسَكَ الْقَلَمَ حَتَّى رَنَّ الْهَاتِفُ مَرَّةً أُخْرَى.

كَانَتِ ابْنَتُهُ.

 أَبِي، الْحَفِيدُ فِي الْمُسْتَشْفَى. لَا شَيْءَ خَطِيرًا، لَكِنَّنَا نَحْتَاجُكَ.

ذَهَبَ.

وَعَادَ بَعْدَ مُنْتَصَفِ اللَّيْلِ.

جَلَسَ مِنْ جَدِيدٍ أَمَامَ الْوَرَقَةِ الْبَيْضَاءِ، وَابْتَسَمَ قَائِلًا:

 حَسَنًا... أَيْنَ كُنَّا؟

قَبْلَ أَنْ يَبْدَأَ، انْقَطَعَ التَّيَّارُ الْكَهْرَبَائِيُّ.

جَلَسَ فِي الظَّلَامِ قَلِيلًا، ثُمَّ ضَحِكَ. ضَحِكَ طَوِيلًا حَتَّى دَمَعَتْ عَيْنَاهُ.

فِي الصَّبَاحِ سَأَلَهُ صَدِيقُهُ الْقَدِيمُ:

 هَلْ وَجَدْتَ جَوَابَ السُّؤَالِ أَخِيرًا؟

 لَا.

لِمَاذَا؟

تَنَهَّدَ وَقَالَ:

— كُلَّمَا اقْتَرَبْتُ مِنَ السُّؤَالِ، جَاءَتِ الْحَيَاةُ بِالْجَوَابِ الَّذِي تُرِيدُهُ هِيَ.

— وَمَا هُوَ؟

ابْتَسَمَ وَهُوَ يَتَّجِهُ نَحْوَ الْبَابِ:

— أَنَّ الْإِنْسَانَ لَا يَعِيشُ مِنْ أَجْلِ اكْتِشَافِ مَعْنَى الْحَيَاةِ، بَلْ مِنْ أَجْلِ دَفْعِ الْإِيجَارِ، وَزِيَارَةِ الْمَرْضَى، وَإِصْلَاحِ مَا يَنْكَسِرُ، وَالِاطْمِئْنَانِ عَلَى مَنْ يُحِبُّ.

ثُمَّ تَوَقَّفَ لَحْظَةً، وَأَضَافَ:

— وَرُبَّمَا لِهَذَا السَّبَبِ تَسْتَمِرُّ الْحَيَاةُ أَصْلًا.

وَعَادَ إِلَى مَكْتَبِهِ، وَسَحَبَ الْوَرَقَةَ الْبَيْضَاءَ نَحْوَهُ، وَكَتَبَ:

"سَأَكْتُبُ الْجَوَابَ النِّهَائِيَّ حَالَمَا أَنْتَهِي مِنَ الْأُمُورِ الْأَكْثَرِ إِلْحَاحًا!!."

بقلمي

د.عبد الرحيم الشويلي



تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة