مدحت الحلفاوي يكتب:
حين لا يكتمل النسيان
لا تنتهي بعض الحكايات عند لحظة الوداع كما يظن الانسان بل تبدأ منها حياة اخرى داخل الذاكرة حيث لا يطلب من القلب ان ينسى بقدر ما يطلب منه ان يتعلم كيف يعيش مع ما لا ينسي وكأن الفقد لا يغلق بابا بل يفتح ابوابا اخرى داخل النفس لا يراها احد.
ويظن الانسان ان البدايات هي الاصعب لكن ما لا يدركه في لحظة التجاوز الاولى ان الاصعب حقا هو ما يأتي بعدها حين يظن انه عبر لكنه يكتشف ان الاثر ما زال يعمل في الداخل بهدوء شديد كأنه كيان مستقل يعيش معه دون ان يعلن نفسه لكنه لا يغيب لحظة واحدة.
ويبدو الغياب في ظاهره نهاية واضحة يمكن للعقل ان يفسرها لكن في العمق لا يحدث اختفاء حقيقي بل يحدث تحول كامل في طبيعة الحضور فيتحول الانسان من جسد يمكن رؤيته الى معنى يسكن الذاكرة ومن صوت مسموع الى صدى يتكرر في لحظات الصمت ومن لقاء عاشه القلب الى ذاكرة لا تكتمل مهما مر الوقت.
ويقال ان الزمن يعالج كل شيء لكن التجربة تكشف ان الزمن لا يعالج بقدر ما يعيد توزيع الالم داخل النفس بحيث لا يختفي بل يتغير شكله فقط فيبدو اقل حدة لكنه اكثر ثباتا واكثر قدرة على الظهور في لحظات غير متوقعة وكأن الوجع يتعلم كيف يعيش داخل الانسان بصمت.
ويترك القلب في منطقة بين الفهم والانكار بين القبول والمقاومة فلا هو قادر على العودة كما كان ولا هو قادر على اعلان النهاية بشكل كامل فيظل معلقا كأنه يعيش حالة انتظار لا يعرف لها اسم ولا يعرف ما الذي سينهيها.
وفي لحظة ما يفهم الانسان ان بعض العلاقات لا تنتهي فعلا بل تتحول الى شكل اخر من الوجود داخل النفس حيث لا يكون الحبيب حاضرا ولا غائبا بل اثر مستمر لا يختفي مهما حاول العقل تجاوزه او تفسيره
ولا تقاس النهايات دائما بما يحدث عندها بل بما يبقى بعدها وبعض ما يبقى لا يطلب له تفسير منطقي بل يحتاج فقط الى وقت طويل كي يستقر في الذاكرة ويصبح جزءا من تكوين الانسان نفسه.
اللهم ارزق القلوب راحة لا يقطعها حنين وامنا لا يعكره فقد ونورا يبدد ظلمة الذكرى حين تثقل الروح.
مدحت الحلفاوي
تعليقات
إرسال تعليق