تراتيلُ الرّوحِ في مِحْرابِ الزَّمَان. قلمي؛ سليمان شاحوذ علي.العراق🇮🇶
على ضفافِ العمر، حيثُ تتكسّرُ أمواجُ الأيام على صخورِ الذاكرة، يقفُ الإنسانُ مرتحلًا في محرابِ الزمان، يفتّشُ في حقائبِ الروّاد عن بقايا حلمٍ قديم، ونبضةِ قلبٍ طواها الغياب.
إنَّ الحياةَ ليست سِوى قطارٍ ينهبُ المسافاتِ نهبًا، يمرُّ بنا عبرَ محطاتِ الفرحِ العابر، ليُلقي بنا في دياجيرِ شجنٍ مقيم. والشجنُ في نَفْسِ الأديبِ ليس عجزًا ولا انكسارًا، بل هو الصقيلُ الذي يشحذُ الروح، والنورُ الخافتُ الذي يضيءُ عتمةَ الحروف. فلولا الحزنُ لَمَا عَرَفتِ السطورُ لوعةَ الحنين، ولولا الفقدُ لَمَا تأنّقتِ الكلماتُ بثوبِ الجزالةِ والفخامة، فالكلمةُ حين تخرجُ من مشكاةِ الوجع، تولدُ عملاقةً تتهادى بين الوقارِ والكبرياء، كأنها مَلِكٌ يجرُّ أذيالَ صولجانهِ فوقَ رفاتِ الخيبات.
وكلّما أقبلَ الليلُ ، تفتحُ الروحُ نوافِذَها للشوق، والشوقُ سِكّةٌ سفرٍ لا تنتهي، ومأساةٌ جميلةٌ يعيشُها من أدركوا عُمْقَ الوجود، فكم من راحلٍ تركَ خلفهُ عِطرًا لا يزول، وكم من غائبٍ لا يزالُ صوتهُ يتردّدُ في زوايا النفسِ كترنيمةٍ أندلسيةٍ قديمة، تُذكّرنا بأنَّ ما فَقْدُ الأحبّةِ إلّا جمرٌ يُواريهِ التراب، وظلٌّ يتبعُ الروحَ أينما حلّت وارتحلت. نحن لا نكتبُ لنُسلّي العابرين، بل نكتبُ لنبني من شجَنِنا قلاعًا تحمي هويّتنا من عوادي النسيان.
ومع كلِّ هذا الشجنِ المنسكبِ في محابرِنا، يبقى الأملُ وميضًا لا ينطفئ في عُمقِ الفؤاد؛ فالأشجارُ تنفضُ أوراقَها الصفراءَ في الخريف لا استسلامًا، بل لتستقبلَ ربيعًا يفيضُ خُضرةً وبهاءً. كذلك هي النفوسُ العظيمة؛ تمرُّ بزوابعِ الأوجاع، وتغتسلُ بدموعِ الحيرة، لتخرجَ أشدَّ صلابةً وأكثرَ نضرة.
تعليقات
إرسال تعليق