قصة قصيرة وصية أم
صامتة، دموع حارة تهطل على خديها. حولها جمع من النساء. ينظرن إليها بترقب. يبدو عليها القهر، قواها خائرة، كأنها في الرمق الأخير من حياتها. همست إحدى النساء للمرأة الجالسة جانبها: " سأقول لها أمرا ربما يخفف عنها" .أجابتها: " إن كان الأمر كذلك، هيا قولي. لماذا تهمسين لي." اقتربت المرأة من سمية وهمست بجملة واحدة.
نظرت إليها سمية صامتة، وانساب سيل جديد من دموعها. تبادلت النساء المعزيات نظرات الاستغراب، يبدو أن ما سمعته قد زادها حزنا ولم يخفف عنها.
انتهت أيام العزاء، اجتمعت سمية بأبنائها.
قالت مبتسمة:" اسمعوني جيدا، كما تعلمون انا مريضة وزاد ألمي ومرضي بعد استشهاد والدكم، عندي وصية لكم كتبتها ووضعتها في هذا الدرج، لا تفتحوها إلا بعد وفاتي. حين تنتهي مدة العزاء، اعملوا بوصيتي، فهي رغبة والدكم التي أوصاني بها."
ارتحلت سمية بعد ثلاثة أشهر. بعد أسبوع من رحيلها، جمع سائد أخوته قائلا:" حان الآن موعد فتح وصية والدتنا." قرأ سائد بصمت. واتخذ القرار قائلا:" اسمعوني جيدا، أنا سأعمل بوصية أمي وأنتم كذلك، باعتباري الأكبر فهذا يعني أنني أول من سيذهب لخدمة العلم. لذلك أوصيكم بتنفيذ الوصية إذا أصابني مكروه أو توفاني الله." قال أخواه:" اقرأ علينا الوصية."
تنهد سائد وبدأ يقرأ:
" بسم الله الرحمن الرحيم
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
أبنائي، أحبتي، أوصيكم بأختكم خيرا كثيرا، صحيح هي متزوجة ومسؤوليتها على زوجها. لكنها أيضا مسؤوليتكم من بعدي. هناك سر أخفيناه عنكم أنا ووالدكم، لكن الآن حان الوقت لنطلعكم عليه، والدكم كان متزوجا من امرأة أخرى، هناك حيث كان عمله في إدلب، هي من عائلة في إحدى قرى إدلب ولديه منها ولدان أصغر منكم بعام واحد. ليس الوقت الآن لمحاسبة والدكم على زواجه الثاني. المهم الآن أن تعلموا أن لديكم أخوان، هما من طائفة غير طائفتكم، لكنهما أخواكم وهما مسلمان كما أنتم الثلاثة وأختكم. إياكم أن يأخذكم تحريض أي مخلوق للثأر لوالدكم حين يذهب أي منكم لخدمة العلم، فربما يكون من يقف في مواجهتكم في أرض المعركة هو أحد أخويكم. حين يذهب أي منكم إلى خط المواجهة والمعركة، أوصيكم لا تقتلوا أي إنسان، فقط دافعوا عن أنفسكم. لا تنسوا أخوتكم هناك. ولا تهملوا مواساة أختكم هنا في حمص، فهي الأكثر حاجة إليكم كونوا لها الحنان والأمان. ترحموا على والدكم فهو كان يحبكم، ويحب أخويكم كما يحبكم تماما، ومن أجله، احرصوا حين تهدأ شعواء الحرب على لقاء أخويكم، وتعارفوا وتحابوا فيما بينكم. أمكم سمية."
تبادل الأخوة النظرات صامتين. وكل منهم يحاول كبح دموع ساخنة احتقنت في عينيه، لكنها انسكبت غصبا عنه. احتضن سائد أخويه، وتعاهدوا على تنفيذ الوصية.
بعد عدة أشهر استشهد سائد. ومرت سنوات وهدأ لهيب الحرب. اجتمع رامي وسامي مع أخويهما عمر وخالد الذين أتيا إلى حمص.
قال رامي:" أنتما أخوانا، ولكما حق في الميراث، نحن لدينا هذا البيت ثلاث طوابق، وهذا كل ميراثنا ولا ننكر عليكما حقكما "
- خالد: لا يا أخي ما أتيناكم طالبين ميراثا، بل جئنا لننفذ وصية والدنا قرأتها علينا أمنا بعد استشهاده. أوصانا أن نتعارف معكم ونتعاضد ولا نفترق. جئنا إليكم بمحبتنا وأخوتنا، ووالدتنا تهديكم السلام. الآن وقد عرفنا أن والدتكم قد توفيت، اعلموا أن والدتنا هي أم لكما، ورحم الله أخونا سائد. نحن لدينا خيرات كثيرة في قريتنا. عندنا بساتين وأملاك كثيرة، ورثتها أمنا عن جدنا، ومنذ الآن كل ما يلزمكم من مؤونة لسنة كاملة من زيت الزيتون والزيتون سنأتيكم به في كل موسم ومن جميع الفاكهة التي في بساتيننا. لن ندعكم تحتاجون أي شيء، نحن لكم عونا دائما، ومتى شئتم بيتنا مفتوح لكم في ادلب، وهو بيت والدكم. من جهتنا سنزوركم دائما ولن ننقطع عنكم.
- سامي:" هل تعرفان أن لكما أختا من أبيكما؟"
- عمر: لا، لم نكن نعرف، إنها مفاجأة جميلة جدا.
ابتسم خالد قائلا: كم هو خبر مفاجئ وجميل
-رامي: وليس هذا فقط.
- خالد مبتسما: وماذا أيضا.
- رامي: لقد أصبحتما أخوالا، أختكم لديها طفل وطفلة، وابنها اسمه حمزة على اسم والدنا"
قام خالد وعمر وضما أخويهما بأحضانهما .
- عمر: أرجو منك يا رامي أن تتصل الآن بأختنا، وأخبرها أن هناك مفاجأة، وأنكما ستزورانها الآن. إذا كان الوقت مناسبا لها. أنا متشوق للتعارف مع أختنا ولرؤية أولادها. كم أنا سعيد أنني أصبحت خالا. كنت أعتقد أنني محروم من نداء خالي من طفل يجعلني سعيدا بهذه الكلمة. لكن الله عوضني الآن.
فرح رامي وسامي بما سمعاه من عمر وخالد . وعمل رامي ما طلبه عمر. خلال ساعة اجتمعوا في بيت أختهم. تعارفوا، وكانت خولة أكثرهم سعادة قائلة:"
صار عند أولادي أربعة أخوال كم أنا سعيدة بكم يا أخوتي."
لكن زوجها كان يتصرف بحذر شديد وبقي حياديا ولا يتكلم الا بكلمات قليلة.
لكنه بذات الوقت رحب بهم من كل قلبه.
بقلمي: ابتسام نصر الصالح
تعليقات
إرسال تعليق