الحلم الأخضر
بقلم: سرمين سيما
التاريخ: 07 يونيو 2026
البلد: بنغلاديش
تنفق دول العالم مليارات الأموال لإعداد الجنود للحروب، ولكن لو خُصِّص جزء يسير من تلك القوة والعلم والثروة لحماية الطبيعة، وزراعة الأشجار، والحفاظ على الأنهار، وخدمة الإنسان، لربما أصبحت كلمة "الحرب" مجرد ذكرى في صفحات التاريخ.
ولتحولت هذه الأرض الزرقاء إلى جنة نابضة بالسلام والجمال والرحمة والامتنان.
إن تكلفة طائرة حربية واحدة تكفي لزراعة آلاف الأشجار، وثمن صاروخ واحد يمكن أن يوفر المياه النقية لقرى بأكملها، أما نفقات حرب واحدة فتكفي لإطعام وتعليم وعلاج ملايين البشر. ومع ذلك، ما زالت البشرية تُعِد نفسها للهدم أكثر مما تُعِد نفسها للبناء، وكأن الحضارة خُلقت لتحمل باقات الزهور، لكنها اختارت أن تضع على رأسها تاجاً من الأشواك.
لقد نسي كثير من الناس اليوم عمق الدعاء، وقيمة الشكر، ومعنى العناية. لكنهم أتقنوا أساليب الإفساد، وأبدعوا في هندسة الطمع.
فالأراضي الزراعية الخصبة تختفي تحت الإسمنت، والأنهار تفقد حياتها، والغابات تفقد أصوات طيورها. وينسى الإنسان حقيقة بسيطة وهي أن من يؤذي الأرض إنما يؤذي نفسه ومستقبل أبنائه.
إن الحقول التي كانت تتمايل فيها سنابل القمح والأرز أصبحت تُستبدل بالمباني الخرسانية، والأنهار التي كانت تحمل الحياة أصبحت مثقلة بالنفايات والتلوث. فهل تساءلنا يوماً: ماذا سنترك للأجيال القادمة؟ وإذا اختفت التربة الخصبة، فمن أين سيأتي الغذاء؟ وإذا ضاعت الأرض، فأين سيجد الإنسان موطئ قدمه الأخير؟
كلما مررت بسوق ورأيت الخضروات الطازجة، والأسماك الفضية، والفواكه، والأزهار، امتلأ قلبي بالامتنان للخالق سبحانه وتعالى. وفي الوقت نفسه أتذكر المزارعين الذين يعملون تحت حرارة الشمس، وفي مواجهة العواصف والأمطار والأزمات، ليضعوا الطعام على موائد البشر.
إن المزارعين في نظري هم الجنود الصامتون للأرض. لا يحملون السلاح بل يحملون البذور. لا يسفكون الدماء بل يسكبون العرق. لا يصنعون مواكب الموت بل يزرعون حقول الحياة. وعلى أكتافهم تستمر الحضارة الإنسانية.
وفي تلك اللحظات أدعو قائلاً: "يا رب، بارك لهؤلاء الذين يسهرون على إطعام الناس، وأنزل عليهم رحمتك وبركاتك، واغفر لهم تقصيرهم، فإن خدمتهم للحياة من أعظم العبادات وأشرفها."
وتكاد جميع الأديان تتفق على هذه الرسالة.
فالإسلام يعتبر الإنسان خليفةً في الأرض ومسؤولاً عن إعمارها. وتُكرِّم التقاليد الهندوسية الأنهار والأشجار والطبيعة باعتبارها هبات مقدسة. ويعلّم البوذية الرحمة تجاه جميع الكائنات الحية. أما المسيحية فتؤكد مسؤولية الإنسان في رعاية الخليقة. ورغم اختلاف الطرق، فإن الرسالة واحدة: احموا الحياة، واحترموا الطبيعة، وازرعوا السلام.
كثيراً ما أتساءل: لماذا يختار بعض الناس طريق الأذى رغم علمهم بعواقبه؟ لماذا تُفضَّل الكراهية على المحبة؟ والصراع على التعاون؟ والجدران على الجسور؟
إن السلام الحقيقي ليس اتفاقاً سياسياً فحسب، بل هو حديقة تنمو في قلب الإنسان، تتفتح فيها أزهار الرحمة، وتغرد فيها طيور المودة، وتجري فيها أنهار الشكر والامتنان.
إننا لم نرث هذه الأرض من أسلافنا فقط، بل استعرناها من أطفال المستقبل. ولذلك فإن حمايتها ليست مسؤولية عادية، بل أمانة مقدسة.
يا طفل المستقبل، إذا قرأت هذه الكلمات يوماً، فاعلم أننا حلمنا لك بعالم أجمل. فإذا اختفت غابة فازرع أشجاراً جديدة، وإذا تألم نهر فحاول أن تعيد إليه الحياة، وإذا انتشرت الكراهية فازرع بذور المحبة. وتذكر دائماً أن الأرض ليست مجرد تراب تحت قدميك، بل هي أمك وبيتك وإرثك المشترك.
فلنعمل جميعاً من أجل عالم تفتخر فيه الأمم بعدد الأشجار لا بعدد الجنود، وتكون فيه مخازن البذور أثمن من مصانع الأسلحة، وتنساب فيه الأنهار بحرية، وتصدح فيه الطيور بأغانيها، ويصبح ضحك الأطفال أعظم ثروة للبشرية.
وعندها لن يسأل الناس:
"ما دينك؟ وما جنسيتك؟ وما عِرقك؟"
بل سيسألون:
"هل تحب هذه الأرض؟"
وفي ذلك اليوم، قد تصبح هذه الأرض الخضراء الجميلة وطناً للسلام، وملاذاً للمحبة، وحلماً تحقق للأجيال القادمة.
تعليقات
إرسال تعليق