غريب في وطني
جئتُ بلادي العربيّة أبحثُ عن عملٍ…
فوجدتُ العملَ هو أن أتعلمَ كيف أمشي بلا ظلّ
كنتُ معلّمًا…
أزرعُ في الصغارِ سؤالًا صغيرًا اسمه: لماذا؟
فاقتلعوني من الجذر
لأنّ السؤالَ هنا
أخطرُ من الخطأ
قالوا: التعليمُ رسالة
فلما قرأتُ الرسالةَ بصوتي
مزّقوا الظرف
يا بلادي
أيُّ ذنبٍ اقترفتهُ الحروف
حتى يُعاقَبَ من يعلّمها؟
فُصلتُ…
لا لأنني كذبتُ
بل لأنني صدّقتُ أكثر مما ينبغي
خرجتُ من الفصل
واللوحُ ما زال يكتبُ اسمي بالطباشير
لكنّه لا يجدُ جسدي ليكمله
الآن…
أنا عاملٌ عاديّ
أرفعُ الإسمنتَ
لكنّي لا أبني جدارًا
أنا أدفنُ ما تبقّى منّي
طبقةً طبقة
كلُّ حجرٍ
يسقطُ في مكانه
كأنّه يعلّمني
أن الأشياءَ حين تُثقلُ كثيرًا
تصيرُ أرضًا
أُقدّمُ أوراقي
فتسألني الدوائر: من أنت؟
وأقول: كنتُ معلّمًا
فيبتسمون…
كأنّها نكتةٌ قديمة
ثم يقولون: لا حاجة لنا بك
يا وطنًا
كيف يصبحُ الماضي
سببًا كافيًا للإعدامِ البطيء؟
أمشي في الشوارع
فأرى زملاءَ الحروف
أفكارًا كانت تمشي واقفة
أصبحت تمشي منحنية
كي تمرّ من تحت أسئلةِ الحياة
نحن لا نصرخ
لأنّ الصراخَ هنا
يُسجَّل ضدَّ مجهول
ولا نبكي علنًا
لأنّ الدموعَ
قد تُفسَّرُ كطلبِ عمل
يا بلادي
أنا لستُ غاضبًا…
أنا فقط
تعبتُ من أن أكونَ صحيحًا
في مكانٍ لا يحتملُ الصواب
وحين يعودُ الليل
أعودُ إلى نفسي
فأجدُ المعلّمَ القديمَ واقفًا عند الباب
يمسحُ الطباشيرَ عن قلبه
ويقول:
لو كنتُ أقلَّ صدقًا…
لبقيتُ أقلَّ وجعًا
ثم نصمتُ معًا
كأنّ الصمتَ
هو الدرسُ الوحيدُ الذي لم أفصل بسببه.
بقلم سعد بلو
تعليقات
إرسال تعليق