زمان القصة: تسعينيات القرن العشرين
قصة قصيرة
بعنوان: (ملاكي الحارس)
هاتفت ريمة صديقتها جوزفين قائلة: لدي أمر هام أحكيه لك. مارأيك أن نلتقي؟
- جوزفين: حسنا، غدا يوم عطلتي الأسبوعية، تعالي لعندي فأنا وحيدة، نحكي براحتنا.
التقت الصديقتان.
جوزفين: هيا حدثيني.
ريمة: لدي خبر سيفرحك
جوزفين: كم أحتاج لسماع خبر جميل
ريمة: أخيرا، وبعد أن مللت من كثرة العرسان ومن رفضي للجميع، يبدو لي أنني سأوافق على الشاب الذي تقدم لي البارحة. وأريد رأيك.
جوزفين: أولا، خبر جميل جدا، أخيرا اقتنعت بفكرة الزواج التقليدي.
ريمة: فعلا، أنا توصلت لقناعة ولكن على مضض. بالبداية، قبلت الأمر كرمى لأمي . ولكني توصلت حقا أن الزواج التقليدي هو الأفضل لي. الشاب ابن عائلة معروفة من قبل أهلي وهذا يمنحني الطمأنينة.
جوزفين: هل جلست مع الشاب وتحدثت معه وتعارفتما؟
ريمة: ليس بعد. فقط أمه جاءت لزيارتنا، وطلبتني من امي واتفقت معها على موعد مجيء ابنها لزيارتنا.
جوزفين: وماذا تريدين مني أن أفعل إذا كنت لم تر العريس بعد؟
ريمة: أريد منك كلمة، هل أنت معي في قبولي الزواج التقليدي؟
جوزفين: أنا صديقتك منذ طفولتنا وأعرفك كما أعرف نفسي. وهذا يجعلني مستغربة قبولك بهذه الطريقة، كنت دائما صاحبة أحلام كبيرة. ولكن لا مانع أن تتعرفي على الشاب طالما سيكون التعارف بوجود الأهل، أقصد بما أنه غريب عنك ومجهول بالنسبة لك، أعطه فرصة ، وأتمنى حقا أن يكون جديرا بك.
ريمة: من حيث المبدأ، والدته قالت إنه لديه بيت فرشه بأفضل الأثاث، وضعه المادي ممتاز، وهو مستعد لكل طلباتي من الجهاز والصيغة الذهبية. وأفضل ما قالته أنه لا يريد إضاعة الوقت، يريد خطوبة وكتب الكتاب في اليوم ذاته. ولا يريد خطوبة طويلة، فقط فترة تحضيري للجهاز الخاص بي، وبعدها العرس دون تأخير.
جوزفين: حدثتني عن كل شيء إلا عن الشاب.
ريمة: لأنني حتى الآن لا أعرف شيئا عنه، إلا ما قالته والدته لأمي. شاب متعلم وفهمان لديه عمل ومدخول ممتاز.
جوزفين: حين تجلسين معه، حاوريه وتأكدي. إن كان كذلك فهو عريس يليق بك.
ريمة: أشكرك، أشعر بالثقة الآن أن قراري بقبول استقباله كان قرارا سليما.
جوزفين: أتمنى لك السعادة من كل قلبي.
ريمة: ما رأيك، هل أستقبله بملابس بسيطة أختارها مما لدي أم أشتري ثوبا جديدا أرتديه لاستقباله؟
جوزفين: أنصحك أن لا تشتري فستانا جديدا الآن. استقبليه بملابس بسيطة مما لديك. حتى تكتشفي حقيقته. فإن أبدى سروره فهو معجب بك شخصيا وليس بالمظاهر .
ريمة: اتفقنا وهكذا سأفعل.
جوزفبن: حين يزوركم العريس، استمعي إليه بكل جوارحك حتى تتأكدي أنه يمكنك قبوله لأن الأمر ليس خطوبة وعرس فقط، هناك أسرة ستكونين انت معه طوال العمر.
ريمة؛ معك حق، أشكرك صديقتي لفت انتباهي لأمر هام وهو الاستماع إليه ولن أتكلم إلا وقت الضرورة لأراقب رد فعله وأسلوبه في الحوار. هو سيتحدث مع أخي الأكبر وأنا سأكون حاضرة على الحديث بينهما.
جوزفين: هذه مناسبة جميلة، هيا دعينا نتفاءل خيرا، ونفرح تعالي معي نعمل قالب كاتو ونشرب القهوة. أريد أن أكسبك فغدا ستنشغلين مع العريس وبعدها خطوبة وعرس.
ريمة: هيا إلى المطبخ.
جلستا معا تستمتعان بالقهوة وطعم الكاتو بالبرتقال اللذيذ.
جوزفين: لم تقولي لي أين ستسكنان؟
ريمة: في المدينة التي يعمل فيها العريس.
جوزفين: يعني ستسافرين معه؟!!!
ريمة: أكيد غاليتي، إذا وافقت عليه سأعيش معه حيث يعمل ويعيش.
جوزفين: كم سأشتاق لك وأفتقدك.
ريمة: وأنا أيضا ساشتاقك.
جوزفين : ولا يهمك. المهم ان تكوني سعيدة . خبريني كل يوم عن تفاصيل زيارات العريس لك.
مضى يومان، رن هاتف جوزفين الأرضي. ردت وابتسمت ثم ضحكت قائلة: خبر جميل.تعالي لعندي إذا كان لديك وقت.
ريمة: أنا قادمة إليك فورا.
وصلت ريمة، عانقتها جوزفين ورحبت بها: أهلين وسهلين بالعروس الجميلة.
وجلستا في حوار طويل.
جوزفين: احك بالتفصيل الممل.
ريمة: جاء لزيارتنا حسب الموعد. شاب أنيق، جميل، شخصية مميزة ولافتة.
جوزفين: وماذا عن أسلوبه في الحديث وحضوره؟
ريمة: يتحدث بطريقة جميلة مبهرة جعلني أنصت إليه وانا صامتة بينما يحاور أخي. يضفي حضوره جمالا وبهاء على الجلسة ويمنحني الطمأنينة. يبدو مثقفا ومتحدثا لبقا ومتحررا فكريا حسب ما سمعته ورأيته.
جوزفين: يعني أعطيت موافقتك عليه.
ريمة: مبدئيا أنا موافقة عليه مائة بالمائة. ولكني لم أقل بعد هذا الكلام لأهلي. لأنه سيكون له زيارة غدا عندنا وفي نهايتها ينتظر مني الجميع أن اخبرهم رأي النهائي.
جوزفين: كم أنا سعيدة لأجلك. لا تضيعي هذا الشاب من يدك. طالما يمتلك كل هذه الصفات والطباع الجميلة . وخاصة أنك صعبة المزاج جدا وطالما تمكن من جذبك إليه إلى هذه الدرجة التي تصفينه فيها فهو جدير بك.
ريمة: اتفقنا. إن شاء الله سأعلن موافقتي غدا حين يأتي لزيارتنا وأتيح له المجال لأعرفه أكثر.
مضى ثلاثة أيام. افتقدت جوزفين اتصالات ريمة ولكنها كانت تقول لنفسها:" عروس ومشغولة باستقبال عريسها وأهله، لابد أنها قد بدأت تحضيرات الخطوبة.
اليوم الرابع، رنين جرس الباب، فتحت جوزفين وفوجئت بريمة.
جوزفين: آسفة، أنا كان من واجبي الاتصال بك لأسال عنك ولكني قلت عروس ومشغولة بتحضيرات الخطوبة.
ريمة: لا يهمك. ليس مهم من تسأل. نحن صديقتان ليس بيننا رسميات.
جوزفين: وما أخبارك عروستنا الحلوة. متى الخطوبة؟
ريمة: هههههههه
جوزفين: ربنا يسعدك وتضحكين من الفرح.
ريمة: بل أضحك على حظي العاثر.
جوزفين: ماذا؟؟؟ ما الذي حصل؟ كنت سعيدة جدا بالعريس. هيا قولي ماذا استجد؟
ريمة: اسمعي، كما اخبرتك أنه سيزورنا للمرة الأخيرة لأحدد موقفي وأعلن قراري. وفعلا وصل على الموعد دون أي تأخير، وأنا كدت أطير من فرحتي به وأنت تعرفين كم أكره الشخص اللامبالي بالوقت.
جوزفين: رائع.
ريمة : كنت أستمع للحوار بينه وبين أهله وأهلي وأشارك بكلمة أو كلمتين خلال الحديث وانا مبهورة به وجمال عينيه الخضراوين.
جوزفين: يا عيني عليك. أكملي.
وفجأة جاء سيرة الأكراد. لم أعد أتذكر السبب، المهم، عندها، قال العريس الذي سحرني بعذوبة حديثه:" الأكراد لا يستحقون أن يعيشوا في وضع أفضل مما هم فيه، بيستاهلو هيك عيشة" عندها؛ تذكرت ملاكي الحارس؛ وغلى الدم في رأسي؛ أحسست أن حرارتي صارت نارا؛ كدت أقوم فأصفعه على فمه. لكني تمالكت نفسي؛ بقيت صامتة؛ وأنا أمعن النظر بهذا الجمال والأناقة التي اجتمعت بهذا الشاب. انتهت الزيارة. وغادرنا العريس وأهله على أمل أن تخبرهم أمي بقراري حين يأتون للسهره عندنا في اليوم التالي.
جوزفين: كلام جميل. وماذا حصل بعد ذلك؟
ما إن ذهبوا حتى قلت لأمي: رأسي يؤلمني جدا وحرارتي مرتفعة وبعدها لذت إلى الفراش وأخذت أمي تهتم بي، عملت لي كمادات باردة وزهورات وعناية فائقة. وضعتني في حضنها كما الطفلة. قالت فجأة: إياك أن تكوني تتمارضين لتخربي الخطوبة، لقد أعطينا كلمة للجماعة، وهم ينتظرون منك تحديد طلباتك لتعطي كلمتك النهائية، ونبدأ بالتحضير للخطوبة. لا تفعلي مثل كل مرة، رفضت عرسان من أفضل الشباب.
جوزفين: وماذا أجبتها؟
ريمة: قلت لها أنني في زيارته الأخيرة أحسست أنه لا يناسبني، وشعرت بالامتعاض منه وألم شديد في رأسي حقيقي وليس تمارض، وأنت يا أمي لمست وجهي ورأسي وشعرت بالحرارة المرتفعة، وعملت لي كمادات فكيف اكون متمارضة؟!!!
جوزفين: وماذا بعد؟
ريمة: أمي زعلت كتيير مني. وأنا كذلك شعرت بالضيق لأنني خربت الفرحة على أمي. ولكني أعلنت لها صراحة. قلت: أمي، اتخذت قراري. أنا أرفض هذا العريس. ليس له نصيب عندي.
جوزفين: حصل خير غاليتي، المهم أنك تعافيت وها أنت أمامي بكل صحتك. ولكن تعالي هنا. ما هي قصة الملاك الحارس الذي قلب حياتك وحرمك من العريس الملاك؟ لم تحدثيني أبدا عن ذلك الملاك الحارس من قبل. لماذا اخفيته عني؟ هل هو حبيبك الذي ترفضين كل العرسان من أجل عينيه؟!!! ولماذا لم يتقدم لخطوبتك حتى الآن؟!!
ريمة: الأمر ليس هكذا أبدا.
جوزفين: احك إذآ بالتفصيل الممل.
ريمة: حين كنت في السنة الأولى من دراستي الجامعية في جامعة حلب، فوجئت ذات يوم حين خرجت من قاعة المحاضرات بأحد الطلاب ينتظرني على الباب، سلم علي وخرجنا من الكلية وتوجهت صوب الدرج الذي يؤدي إلى المدينة الجامعية، تابع مسيره معي وحين وصلت إلى وحدتي التي أسكن فيها لم يغادر حتى دخلت إليها. وفوجئت أنه صار كل يوم ينتظرني وقت انتهاء محاضراتي ويرافقني إلى المدينة الجامعية ولا يتركني وحدي حتى أصل وحدتي وأدخل إليها. وطوال الطريق نتحدث عن دراستنا وحياتنا الجامعية فقط. صار الصديق الملازم لي وأشعر به يهتم أن يوصلني ويطمئن علي. دون أي تطفل على حياتي عبر حديثه. ذات يوم سألته بعفوية:" في أي وحدة تسكن أنت؟"
ضحك قائلا:" ولا في اي وحدة."
فوجئت بجوابه قائلة: هل تمزح؟ ألست من طلاب المدينة الجامعية؟
أجابني مبتسما:" لا، أنا لا أقيم في المدينة الجامعية. أنا أسكن مع أهلي في حي باب النيرب.
قلت: وكل يوم توصلني إلى المدينة الجامعية ثم تعود إلى الجامعة لتأخذ حافلة إلى باب النيرب. لماذا تبذل هذا المجهود وأنت بحاجة لتصل بأسرع وقت إلى بيتكم بعد يوم دراسي طويل ومتعب؟
جوزفين: وماذا كان جوابه؟
ريمة: قال أنه يحرص على الاطمئنان علي قبل ذهابه إلى بيته لأنه يعتبر هذا واجبه تجاه زميلته التي يحترمها ويعتز بصداقتها. ومنذ ذلك اليوم أسميته( ملاكي الحارس).
جوزفين: وما علاقة الملاك الحارس برفضك للعريس؟
ريمة: بقينا أصدقاء وزملاء لوقت طويل ولم يسأل أحدنا الآخر من أي دين أنت ولا من أي طائفة. وذات يوم قالت لي إحدى صديقاتي وبمعرض حديثي معها عن ملاكي الحارس أنه كردي. حينها كان أول كردي أعرفه في حياتي وبعد ذلك تعرفت على زميلة لي كردية كانت بمنتهى اللطف والصدق بالتعامل فأكدت لي صورة ملاكي الحارس. وحين تحدث العريس الفهمان عن الأكراد بطريقة عنصرية جدا ولا تمت للإنسانية بصلة، وتعبر عن تنمره عليهم. جعلني أحلق بخيالي صوب ملاكي الحارس الذي يدحض كلام العريس، ويجعلني أكتشف أن تفكيره مفعم بالتمييز القومي تجاه الآخرين. هذا ما تسبب لي بالألم الحقيقي. لأنني حقا كنت قد اتخذت قراري بالموافقة على الزواج منه؛ فصار الصراع في داخلي بين الرغبة بالزواج بهذا الشاب الذي وجدت فيه كل الصفات التي أتمناها وبذات الوقت وجدت فيه صفة تنفي عنه انسانيته، فرجحت كفة الإنسانية على كافة الصفات الجميلة التي يمتلكها
بقلمي: ابتسام نصر الصالح
تعليقات
إرسال تعليق