ابو تمام لا تسأل .من ديواني عبرات شاعرة الوطن.
كلُّ السُّيوفِ تماهَتْ عندما اقتربوا
أعداؤُنا وانتشتْ ما بينَنا حِقَبُ
ماذا أقولُ ودَمعُ العينِ صارَ على
خدِّ اليتيمِ وخدِّ الأمِّ ينسكِبُ؟
والرُّوحُ تذوي، وقلبُ الصَّبِّ مُنفَطِرٌ
يشكو إلى اللهِ، والأنفاسُ تنتحِبُ
خوفٌ، وهمٌّ، وحُزنٌ يعتريه، وفي
أعماقِهِ تصرخُ الدُّنيا وتكتئبُ
والكونُ في غفلةٍ ممّا يدورُ على
أرضِ السّلامِ، التي تغلي بها الرِّيَبُ
ونحنُ في كفَّةِ الميزانِ يعصِفُنا
زيفُ العدالةِ، والتَّضليلُ، والكذِبُ
آلامُنا تجتنِي منَّا الشَّبابَ، وما
عُدنا شبابًا، وهذا الشَّيبُ يلتهِبُ
والمانحونَ لنا زيفَ السّلامِ غَدَوا
فينا يبيعونَ شيبًا نالَهُ التَّعبُ
يستثمِرونَ الأسى حتى بدا عجَبًا
في عالمٍ ضاعَ مسلوبٌ ومُغتصَبُ
حيرَى عقولُ الذينَ لم يروا سببًا
فيما يدورُ، فصاروا كلُّهم لُعَبُ
يبكونَ في السِّرِّ خوفًا أن يكونَ بِهِم
ما يُغضِبُ الغاصِبَ المرموقَ يكتئبُ
سودٌ ليالي اليتامى، والأمومةُ في
كلِّ الدُّنَى، والأسى المعروفُ مرتقَبُ
يغزونَ قلبَ الطّفولةِ، من يحاصِرُها
ينهالُ في كلِّ آفاقِ الفضا غضَبُ
والأمنياتُ التي ما عدتُ أعرفُها
ماتتْ، وماتَ معَها الصّفوُ والطّرَبُ
أينَ العقولُ التي كانَ الوجودُ بِها
يختالُ فخرًا، ويزهو حينَ ينتدِبُ؟
أينَ النّفوسُ التي بالعز نعرفُها
وليسَ يهوِي بِها مالٌ ولا ذهَبُ؟
أينَ القلوبُ التي شعَّ الضِّياءُ بِها
نورًا يُناديك من أفيائِهِ الشُّهُبُ؟
هلَّا رأيتَ أبا تمّامَ عالمَنا؟
ها قد غزاهُ الأسى، والشُّحُّ، والتَّعبُ؟
وأنتَ بالسّيفِ تأتي شامخًا، وعلى
أبوابِنا تكتبُ البشرَى وتنتصِبُ
أما علمتَ بأنَّا من تعاستِنا
ثُرنا على بعضِنا، والسَّيفُ يلتهِبُ
أسوارُنا من خشاشِ الأرضِ توقدُها
أحلامُنا حينما ينتابُها الغضَبُ
تشكو عروبتُنا الثّكلى محاسِنَنا
بالأمسِ، واليومَ غابَ الأهلُ، وانتَحَبُوا
سُمُّ الكراسي أذاقَ الويلَ عالمَنا
والقهرُ يقتاتُنا، والحزنُ، والكُرَبُ
ونحنُ مليارُ باكٍ في الحياةِ على
مجدٍ تلاشى بمن في دربِهِ وثَبُوا
ما عادَ من عمرِ دُنيانا سوى قلقٍ
يجتاحُها، وهي تبكي كلَّ مَن ذهبُوا
أمّا أنا، من أنا، يا مَن ترى وجعي
أو تسمعُ الصّوتَ، والأصواتُ تضطَرِبُ؟
إلّا نسيمٌ من الأزهارِ تنثرُهُ
آلامُ روحي، وروحُ الصَّبِّ تنتحبُ
إن لم ترَاني، فهذا الحرفُ يعرفُني
والهمُّ، والحزنُ، والأقلامُ، والكُتُبُ
أبياتُ عن عالمي الدّامي، وعن وَطَني
أرسلتُها رغمَ مَن زاغوا، ومَن لعِبُوا
علِّي أراها إلى العلياءِ تحملُني
ذِكرَى، وتأتي بذكري كلَّما انسحَبُوا
حتى ترانا شموعًا يستضيءُ بِها
كلُّ الأنامِ، وهم للنُّورِ قد ذهبُوا
لا يهدي اللهُ من لا يحتمُونَ بِهِ
ولن ينالُوا رضَى الرّحمنِ مَن غضِبُوا
الدّينُ يُسرٌ، كتابُ اللهِ عرَّفَهُ
حقًّا، فويلٌ لمن خابوا ومن كذَبُوا
وكيفَ صِرتُم عبيدًا للعبيدِ، وقد
كنتمْ أُباةً، وكانَ الغربُ يرتعِبُ؟
ماذا جرى يا رجالَ الدِّينِ، كيفَ هَوَى
مِن قمَّةِ المجدِ مَن للمجدِ قد وَهَبُوا؟
كنتمْ، وكانُوا، كما كانَ الزّمانُ بنا
يشدو بِما نحنُ فيه حينما وثَبُوا
لا تُقحِموا النّاسَ في ليلِ الهلاكِ، ولا
تمضُوا بِهِم في متاهاتٍ بِها العَطَبُ
كلُّ القوانينِ تنفِي العنفَ تمقُتُهُ
وأنتُم في حَشَا نيرانِهِ الحَطَبُ
عابَ الزّمانُ عليكم أن تكونُ بِهِ
أفكارُ سودا، وأهلُ البُغضِ قد غضِبُوا
لكنَّكم لم ترَوا من كانَ مبتسمًا
كلا، فصرتم غُثاءً دونَهُ الحُجُبُ
أسوارُ فولاذَ لا ينفَكُّ يُوصِدُها
أعداؤُنا، والأُخَلا كُلُّهُم هرَبُوا
لا خيرَ فيهم، وقد عابُوا، وقد غدَرُوا
والمرجِفونَ تلاشَوا حينما انسحَبُوا
عن غَيِّهِم ما تناهَوا، كيفَ نحسبُهُم
منَّا، وهم من أثارُوا البأسَ، وارتكَبُوا؟
لم يذكُروا أنَّهُم قد دمَّرُوا وطنًا
وقد أبادُوا، وما لانُوا، ولا حَسِبُوا
كمْ كائناتٍ أبادُوها، وكمْ بشرًا
ماتُوا بلا حُجَّةٍ، بالنَّارِ والتهَبُوا
أفٍّ لمن دمَّرُوا أحلامَنا حِقَبًا
ومَن أماتُوا بنا الآمالَ وارتقبُوا
أفٍّ لمن لم يرَوا صفوَ السَّلامِ، وقد
أضاءَ في الأفقِ يهدي أهلَنا النُّجُبُ
لكنَّهم إن أصرُّوا في أذيَّتِنا
أو أحكَمُوا مكرَهُم في مَن بِهِم رَغِبُوا
لن يُفلِحُوا ما حَيِينَا في الوجودِ، وإن
متنا سيأتِي دعاةٌ للهدى انتسَبُوا
حتَّى وإن مرَّ دهرٌ من مآتمِنا
يومًا ستأتِي تهانِينَا وتقتَرِبُ
والشُّهبُ تشدو بنا، واللهُ يحرُسُنا
في كلِّ وقتٍ، وفينا تفخرُ العَرَبُ
والرُّوحُ في خافِقِي تهدي السَّلامَ لمن
قد جاءَنا مُنقِذًا، والنَّارُ تلتَهِبُ
صلُّوا عليه، وسيرُوا في مسيرتِهِ
حتَّى تُلاقُوهُ في الجنَّاتِ يقتَرِبُ
قد أفلحَ المؤمنونَ اليومَ حينَ أتَوا
جنَّاتٍ تزهو بها الآياتُ والكُتُبُ
في جنَّةِ اللهِ قرآنٌ يُحصِّنُها
واللهُ من فوقِها، والعرشُ مُنتصِبُ
وكلُّ حيٍّ يُلاقِي ما جناهُ بلا
ظُلمٍ، وطُوبَى لمن في لطفِهِ احتَجَبُوا
النُّورُ والرّاحةُ العُظمى بها غُرَفٌ
فيها لمن صبرُوا في اللهِ واحتَسَبُوا
شاعرة الوطن
ا.د.آمنة ناجي الموشكي
اليمن ٢٠. ١٠. ٢٠٢٢م
تعليقات
إرسال تعليق