روح الروح 

قصة  بقلم د/ علوي القاضي .

... جمع بين حسن الخلق والخلقة ، واشتهر بين زملاءه وتلامذته بدماثة الخلق وهدوء الأعصاب وحكمته البالغة وفطنته وذكاءه ، لم يكن سريع الغضب أو ثرثارا ، فقد كان قليل الكلام كثير العمل ، ملتزم ، ويدعوا للمثالية في كل حواراته ، إتخذ الحق له طريقا وسار علي هديه فكان يسبقنا لمسجد الكلية إذا سمع الأذان وكان يدعو كل من يقابله للصلاة معه

... كان لايملك في الدنيا سوى أربعة :

.★. (أخلاقه) الحميدة وسمعته وسيرته الطيبة العطرة التي لم تمس أو تلوث طيلة حياته العلمية والعملية فقد كان نموذجا يحتذى به بين محبيه  

.★. (علمه) فقد كان أستاذا في كلية الطب وذاع صيته  محليا وعربيا وعالميا فكان يستدعى لإلقاء محاضراته في كل المؤتمرات داخليا وخارجيا 

.★. (فيللته) التى إختارها في الساحل الشمالي ، حيث الهدوء والسكينة والإستجمام بعد عناء السفر والترحال والتنقل بين المؤتمرات وتحصيل ونشر العلم ، وقد كان يجاوره أحد الأثرياء العرب ، هو وإبنه الذي كان يدرس في الجامعة المصرية وكان يتردد عليها بين الحين والحين

.★. (إبنته) التى إعتبرها ثمرة حياته كلها ، فقد أفنى عمره وماله وصحته في تربيتها وتدليلها فهي البقية الباقية من روحه ونفسه بعد رحيل أمها ، فقد كانت بالنسبة له الصبر والسلوان على ما أصابه من كد وكبد وتعب في حياته ، فكانت تبعث فيه الأمل والروح وتشعره بأن القادم أفضل ، بإشراقة وجهها كل صباح ، لم يتركها لحظه فقد كانت تلازمه فى كل رحلاته وجولاته وترحاله كظله وأنفاسه ، ماتركها مرة وسافر وحيدا ، فقد كان يشترط على منظمي المؤتمرات ملازمتها له 

... ولأن الدنيا ـ دنيا ولا تدوم لأحد ، ودوام الحال من المحال ، وقد تأتي الرياح بما لا تشتهي السفن ، والشيطان يجري من إبن ٱدم مجري الدم في العروق ، فقد خبأ (القدر) له صدمة أفقدته توازنه وتحول جراء ذلك من حالة الوداعة إلى وحش كاسر ، فقد هدوءه وسكينته واختفت الحكمة من عقله وتنحت المثالية جانبا ، حتى ملامحه تغيرت وكأنه تقدم بالعمر عشر سنين ، حينما عاد لبيته وأخذ ينادى على (إبنته) نصف روحه وتوأم عمره ، فلم ترد عليه ، ما أفقده توازنه وقلبه يعتصر ، ودخل كل الغرف كالمجنون يبحث عنها فلم يجدها ، واخيرا إهتدى للبحث عنها عند حمام السباحة فوجدها مقطعة الثياب وتسبح في دمها الطاهر ، فجن جنونه ، وفقد عقله ، وعلا صراخه وملأت استغاثته الدنيا ، فتجمع الجيران ، وحضرت الشرطة التي عاينت الجثة والمكان وأكدت محاولة إغتصابها ثم قتلها ولما فحصوا الكاميرات إكتشفوا أن المجرم القاتل هو جارهم إبن الثري العربي ، وبعد تفريغ الكاميرات تبين أنه راقبها من أعلى السور  فوسوست له نفسه الأمارة بالسوء والشيطان أن يعبر السور ويحاول إغتصابها ولما فشل قتلها وفى هاربا 

 فقد داوم الأب على مشاهدة فيديو الجريمة يوميا وبلا إنقطاع ، ومعه تزداد الحسرة والندامة ويتجدد البكاء والألم وتتجلى الأحزان في أشد صورها ، ماجعله يزداد إصرارا على القبض عليه قبل الشرطة ليقطعه إربا ويشفي غليله بالقصاص منه بنفسه وبيده 

... تفرغ للبحث عنه بنفسه وكرس جهده ما أدى إلى إنقطاعة عن عمله في الكلية وعن زملاءه وتلاميذه ، ولم يعبأ بعلمه وواجباته ومؤتمراته 

... لم يكتفي بمجهود رجال الشرطه ، بدأ يسأل عن الجانى وأسرته وتحركاتهم ، وعلم أنهم تركوا فيللتهم وابتاعوا غيرها ، في مكان مجهول ، تواصل مع كل وسطاء العقارات وعرض صورة المجرم عليهم وظل في تلك الدوامة حتي كانت ليلة القدر والفرج حينما إهتدى إلى عنوانه الجديد وظل يتابعة ويراقبه 

... سهر الليالي مع البوابين إنتظارا لقدومه ورؤيته ، ولما كانت ليلة القدر ، ليلة الجائزة ، كم كانت فرحته حينما رٱه يغادر سيارته ويتوجه ليفتح الباب وهنا إسترجع الأب أحداث الجريمة فرأى أمامه فلذة كبده تقطع إربا وتمزق ملابسها وكأن المشهد وليد الساعة فانقض عليه يطعنه وكأنه يدافع عن إبنته ويزود عنها وكأنه يحاول درء القتل وحمايتها من القاتل والدفاع عنها فظل يطعن ذلك المجرم حتى أرداه قتيلا ، حول جثتة إلى أشلاء ممزقة وشفي غليله 

... إختلف القضاة فقد سيطرت عليهم مشاعر الأبوة ومشاعر مسؤوليتهم عن أمن وأمان المجتمع وذلك في توصيف الموقف وتحديد المسؤولية وتهمة الأب المكلوم وتحديد الجزاء والعقاب فمنهم من قال :

.★. أن الأب إرتكب جريمة القتل فهو قاتل أيا كان الدافع للقتل ودون مراعاة للعامل النفسي للأب ويجب الحكم عليه بالإعدام   

.★. ومنهم من قال أن الأب كان يثأر لنفسه وهو متؤثر بمشاهد قتل إبنته التى لم تفارقه طيلة الشهور السابقة وعاش اللحظة وكأنه كان في حالة دفاع شرعي عن إبنته رغم قدم الحدث ويستحق البراءة 

.★. والأخير كان رأية وسطا بين الرأيين : إنتصارا للقانون وحماية أمن وأمان المجتمع وفي نفس الوقت إعتبارا وتقديرا لحالة الأب النفسية التى عاشها منذ حدوث الجريمة فحكموا عليه بالسجن خمس سنوات واعتبروا الموقف ( ضرب أفضى إلى الموت ) وكان الحكم وسطا مابين مراعاة لأمن وأمان المجتمع من ناحية ، ومراعاة لحالة الاب النفسية       




تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة