الخياط ..

عقيل هاشم..العراق


تفيق المدينة على نبأ اعتقال الزعيم ، من ثم اعدامه ،لم أحب  قاتليه يوما  لكنني أيضاً أشعر بتعاطف مع انضباط الزعيم وادارة الدولة من بناء واعمار ، ويوم صدرت الاوامر باعدامه لازلت الى اليوم ارتعد ، بل مفزوعا من تنفيذ اعدامه على شاشة التلفاز ، الاهالي لاشغل لهم سوى التنديد بهذه الفعله ، على وجوههم يبدو امتعاضاً وسخطا، يغلق العم كاظم المحل ويطلب مني العودة الى البيت بعد يصطحبني امامه على دراجته الهوائية الى منتصف الطريق ، حيث الجامع نصلي ونذكر الله ونواصل المسير ، النبأ وقعه ثقيل على اهل الحي ، لاسيما وان بناء الحي وتوزيع بيوته على الاهالي هي من انجازات الزعيم ، العم كاظم كان يجيد مهنة الخياطة بدقة ، محله وسط الحي ، وقد اختارني  المساعد له في توصيل الطلبات الى البيوت ،الحي عامة يتكون من بيوت الفقراء المتلاصقة والمتراحمة  ، رتبت على هيئة صفوف متناسقة تلفت النظر ـ فيما تنتصب محال ومقهى وسط الحي ،الى جانب دائرة البريد ومشفى صغير ،ومركز شرطة ،امام المحل بيت السيدة لواحظ ، يطيب لها تجلس على عتبة الباب بملابس النوم ، تحتسي قهوتها وهي متكئة على كرسي قديم يصر كلما تحرك ،تحدق في المارة  والدكاكين ، وتلقي السلام على من يمر بها ،على الجانب الاخر  نساء يتخطفن من قدام واجهات المحال النسائية ، يقفن خلف الفاترينات  يتخيرن موديلات  مثل فتيات في شرخ الصبا، ويحلمن بحرارة الحب واللقاء، ثم ينصرفن ساهمات في وقار ، دون شراء. العم كاظم  يغلق ضلفة الباب الزجاجي للمحل  خشية الوقوع في المعصية ، وحينما يكون مشغولاً، فيما تراودني أحلام ان اكون خياطا ماهرا اجيد المهنة  ويكون لي محل انا سيده ، اعيل العائلة التي اثقلت كاهل ابي المسكين ،اخر النهار يطلب مني العم اغلاق المحل ، واحضار دراجته ليصطحبني الى بيت جدي ظ في الضفة الاخرى من النهر ،نسير في الطريق ،على جانبيه نتشر مطاعم الاكلات السريعة ،والمقاهي  ،نتوقف عند ماكولات ابو زينب المشهورة  لنتناول تشريب لحمة الرأس  ونختمها بقدح شاي ساخن .  الساعة تتجاوز الواحدة بعد منتصف الليل نعود بادراجنا الى بيتنا ،في اليوم التالي ، انهض من فراشي واسير باتجاه المحل بهمة  ، انظفه جيدا ، وارش الماء امامه ، السيدة لواحظ ، اجدها تجلس كالعادة ،تلف شال رمادي خفيف حول خصرها المسكون بالغواية ، يكاد بياض الساق المتعرية يضئ. تتحت اشعة الشمس ، تتابعني ببصر شارد. تطلق تنهيدة عميقة بدرت عنها فيما اسمعها وهي تلقي تحية الصباح بميوعة، من النافد يتداعى صوت فيروز من المذياع، كفها المكتنز تضعه على فمها ثم ترسله لي قبلات مختلسة سريعة،وتذكرني ان احث العم على  اكمال فستانها سريعا ،لاسيما وانها مدعوة هذا المساء  الى حفل عقد قران احدى صديقاتها ، اعود لها في المساء وانا حامل فستانها الجديد ،اقف على الباب  أتمهل قليلا،ثم اطرق الباب ، هي هناك تنتظرني. تلبس الروب فوق قميص النوم. الروب مفتوح منتفخ بالهواء وذيله يحلق وراءها. تجذبه وتضم طرفيه بيدها، لا يخطر لها أن تستخدم حزامه الذي يتدلى إلى الأرض،أدخلنني غرفة نومها ، احس أنفاسي ضاقت واصبحت  أقصر ،تطلب مني ان اجلب لها  علبة سجائرها ، تجلس امام المراة وتدخن لفافة تبغ . كانت الغرفة ترقد في الظلام،  بصيص ضوء  ترسله فتحة من الشباك المفتوح. ينسحب بصري تجاه تلك البقعة المضيئة والتي  تكونت على جسدها .واسرح في معنى ماتفعله ، اتبعها بفضول وقد فتحت أبواب خزانتها و الأدراج تنظر لكل ما اشترته من عطور واكسسوات تجربها على جسمها و لا تدري هل سيحالفها الحظ في اتمام ماترمي له والفوز بالزواج منه،  تنتهي السيدة من إرتداء فستانها الجديد وتلتقط مشطاً تصفف به شعرها.تقبلني وتدس في كفي دنانير لم تعدها ،  فتلتقط حقيبة يد على يسار السرير وتفتح الباب. وتغادر اتبعها خلسه ، وانا اعرف اني تاخرت عن عملي ، وسيعنفي العم على فعلتي تلك ،المحلات على الصفين مغلقة ربما بسبب التظاهرات وحظر التجوال. بينما ينساب نور من شبابيك البيوت البعيدة الى الطرق المبلولة ، هي  تسارع الخطو فتجتاز الطريق العام ، سيارات التاكسي تضىء النور امامها ،بينما هي تلقي ببصرها على عقارب الساعة ، انها في عجلة من امرها ،وتبدأ حيرتها أن تسلك طريقاً آخر. يتسلل إلى صدرها انقباض ، وهي ترى ظلال قاعة الفرح خافتة عبر النوافذ ، هناك في الحفل كان ينتظرها العم كاظم ، يلبس بدلة ايطالية من فصاله ،وحذاء جديد لماع ، ورباط عنق احمر قاني ، وشذى عطره يغرق من في القاعة ، فتحتظنه بحرارة ، ولم تنزل  عينيها  منه ، تتوسل وتعتذر عن التاخير حتى صبرها كاد ينفد ،اما انا فعدت خائبا ، افكر فيما يجري ، فانا لم يبق لي أحد في هذه الدنيا  سوى الذكريات ،في محل الخياطة .مما جعل العم  اخر الايام  يجلسني معه وراء ماكنة الخياطة  ليقوم بتدريبي على أصول الصنعة،كان يرى في شيئا بارعا ، إلى درجة أنه لم يعد بحاجة إلى مراقبتي ، لقد اطمأن ولم يعد يجلس وراء الماكينة  فقد تركها لي ، متفانيا في خدمة المحل  انظف في الصباح و المساء نوافذ المحل وارعى شؤون متطلبات زبائنه،اما حكاية السيدة لواحظ  فيتزوجها وترحل معه إلى مدينة أخرى.رحلت دون عودة.


تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة