سلسلة: سنن التدافع في الصراعات الكبرى

قراءة شرعية استراتيجية في الحرب بين إيران، وأمريكا ومستقبل الشرق الأوسط، وفلسطين"

المقال الأول:

الصراع الوجودي في العصر الحديث: بين فقه الفتن ،وسنن التحولات الكبرى".

 بقلم/الباحث الأكاديمي والأديب الناقد  والمفكر الدكتور عيد كامل حافظ النوقي

المقدمة:

إن قراءة الصراعات الكبرى في العصر الحديث، وخاصة ما يشهده الشرق الأوسط من حروب متشابكة، وتحولات استراتيجية متسارعة، لا يمكن أن تُفهم بمنظور سياسي أو عسكري بحت، بل تحتاج إلى قراءة أعمق تجمع بين التأصيل الشرعي، والتحليل الاستراتيجي، والفهم النفسي، والاجتماعي لحركة الأمم.

فالقرآن الكريم ،والسنة النبوية يقدمان رؤية عميقة لسنن التاريخ، ويؤكدان أن الصراع بين القوى ،والأمم ليس مجرد حوادث عشوائية، بل يدخل ضمن سنن التدافع التي أقام الله عليها حركة التاريخ البشري.

قال تعالى:

﴿وَلَن تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَبْدِيلًا﴾،

(الأحزاب: 62)

فالتدافع بين القوى ،والأمم جزء من النظام الكوني الذي يمنع الاستبداد المطلق، ويحفظ التوازن بين الحضارات، ويعيد تشكيل موازين القوة عبر مراحل التاريخ.

وفي ظل الصراع الدائر اليوم بين أمريكا، وإسرائيل من جهة، وإيران ومحورها الإقليمي من جهة أخرى، يصبح من الضروري قراءة هذه الأحداث في ضوء سنن التدافع، وفقه الفتن، وموازين القوى العالمية، بعيدًا عن الانفعال العاطفي، أو التفسيرات السطحية.

المحور الأول :

سنن التدافع في النصوص القرآنية:

أولاً: التدافع بين الأمم:

يشير القرآن الكريم بوضوح إلى أن الصراع بين القوى ليس شذوذًا في التاريخ، بل هو سنة إلهية تحفظ التوازن في الأرض.

قال تعالى:

﴿وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُم بِبَعْضٍ لَّفَسَدَتِ الْأَرْضُ﴾،(البقرة: 251)

يقول ابن كثير في تفسير هذه الآية:

"أي لولا أن الله يدفع شر طائفة من الناس بطائفة أخرى، لفسدت الأرض، وعمّ الظلم والعدوان."،(ابن كثير: 1999،ص509).

أما الطاهر بن عاشور فيرى أن الآية تقرر قانونًا حضاريًا مهمًا، إذ يقول في تفسيره  التحوير ،والتنوير: 

"في هذه الآية تقرير لقاعدة تعاقب القوى في الأرض، وأن التدافع بين الأمم يحقق نوعًا من التوازن الحضاري."

(ابن عاشور :1984، ص330).

وبذلك يتضح أن الصراعات الكبرى ليست دائمًا شرًا مطلقًا، بل قد تكون وسيلة لإعادة التوازن بين القوى الدولية.

ثانياً: فقه الفتن في السنة النبوية:

تناولت السنة النبوية الشريفة ظاهرة الفتن بتفصيل عميق، لما لها من أثر بالغ في حياة الأمم.

قال النبي ﷺ:

«ستكون فتن كقطع الليل المظلم يصبح الرجل مؤمناً ويمسي كافراً ويمسي مؤمناً ويصبح كافراً يبيع دينه بعرض من الدنيا».

(رواه مسلم).

يقول الإمام النووي:

"أحاديث الفتن يجب فهمها بضوابط العلم، والفقه، لا بالظنون السياسية ،أو التأويلات المتعجلة."،

(شرح صحيح مسلم، ج18، ص7).

ومن هنا يتضح أن التعامل مع الأحداث الكبرى يحتاج إلى وعي شرعي، وعقل استراتيجي يجمع بين النصوص الشرعية، وفهم الواقع.

المحور الثاني:قراءة استراتيجية للصراع الحالي:

أولاً: موقع فلسطين في معادلة الصراع:

تبقى فلسطين القضية المركزية في الشرق الأوسط، ليس فقط لأهميتها السياسية، بل لقدسيتها الدينية أيضًا.

قال تعالى:

﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى﴾،

(الإسراء: 1)

يقول ابن كثير  في تفسيره:

"في هذه الآية بيان شرف المسجد الأقصى ومكانته في عقيدة المسلمين.".

(ابن كثير :1999، ص60).

وهذا يفسر لماذا بقيت القضية الفلسطينية محورًا للصراع الإقليمي ,والدولي لعقود طويلة.

ثانياً: سنن التاريخ ،وموازين القوة:

التاريخ يثبت أن الحضارات تمر بدورات من الصعود ،والانحدار.

يقول المؤرخ راغب السرجاني:

"الهزائم التاريخية ليست نهاية الحضارة، بل قد تكون بداية لمرحلة جديدة من النهوض إذا حدث إصلاح داخلي."

(راغب السرجاني:2006 ، ص88).

أما المفكر مالك بن نبي فيقرر قاعدة مهمة:

"القابلية للاستعمار تنشأ أولاً من الداخل قبل أن تأتي من الخارج."

(مالك بن نبي :1986، ص54).

وهذا يعني أن قوة الأمة لا تعتمد فقط على السلاح، بل على البناء الحضاري, والفكري الداخلي.

ثالثاً: استراتيجيات القوى الدولية:

الصراع الحالي في الشرق الأوسط يتشكل ضمن شبكة معقدة من التحالفات الدولية، حيث تتقاطع مصالح القوى الكبرى في المنطقة.

فالولايات المتحدة تسعى إلى الحفاظ على تفوقها الاستراتيجي, وحماية حلفائها، بينما تحاول إيران توسيع نفوذها الإقليمي عبر شبكة من التحالفات العسكرية, والسياسية.

وتؤثر هذه المعادلة مباشرة على مستقبل القضية الفلسطينية, وموازين القوة في المنطقة.

المحور  الثالث:

آراء العلماء والمفكرين:

١)محمد الأمين الشنقيطي:

حذر الشيخ محمد الأمين الشنقيطي من إسقاط النصوص القرآنية على الأحداث السياسية دون ضوابط علمية.

قال:

"لا يجوز تحميل نصوص القرآن على وقائع معينة دون دليل صحيح من اللغة، والسياق."

(الشنقيطي :1995:ص 120).

٢)راغب السرجاني:

يرى السرجاني أن التاريخ الإسلامي يقدم دروسًا استراتيجية مهمة، حيث يقول:

"النهوض الحضاري يبدأ من إصلاح الداخل قبل مواجهة الخارج."

(راغب السرجاني:2009,ص180).

٣)محمد الهامي:

أما الباحث محمد الهامي فيؤكد أن الفكر الإسلامي يمتلك رؤية استراتيجية متكاملة لفهم الصراع، حيث يقول:

"الإسلام يقدم نموذجًا أخلاقيًا واستراتيجيًا لإدارة الصراع دون التفريط في القيم."،(محمد الهامي:2017)

المحور  الرابع:

البعد النفسي للصراعات الكبرى:

الحروب الكبرى لا تؤثر فقط في السياسة، والاقتصاد، بل تترك آثارًا نفسية عميقة في الشعوب.

وقد وجه القرآن الكريم الأمة إلى التوازن النفسي ،وعدم الاستسلام للهزيمة.

قال تعالى:

﴿وَلَا تَهِنُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ﴾،(آل عمران: 139)،

فالمطلوب من الأمة ليس الانفعال العاطفي، بل الوعي، والصبر، والعمل الحضاري طويل المدى.

المحور الخامس:السيناريوهات المستقبلية المحتملة  للصراع الحالي :

تشير القراءة الاستراتيجية إلى عدة احتمالات محتملة لمستقبل المنطقة، منها:

١)استنزاف طويل للقوى الإقليمية يعيد تشكيل موازين القوة.

٢)تسويات سياسية مؤقتة تؤجل الانفجار الكبير.

٣)اتساع رقعة الصراع ليشمل قوى دولية أكبر.

٤)إعادة تشكيل النظام الإقليمي في الشرق الأوسط.

الخاتمة:

إن الصراعات الكبرى التي يشهدها العالم اليوم ليست مجرد أحداث سياسية عابرة، بل تدخل ضمن سنن التدافع التي تحكم حركة التاريخ.

ويؤكد التاريخ أن النصر لا يتحقق بالسلاح وحده، بل بالبناء الحضاري، والإصلاح الداخلي.

كما أن القضية الفلسطينية ستبقى قضية مركزية في معادلة الشرق الأوسط، لكنها تحتاج إلى رؤية استراتيجية تجمع بين الوعي الشرعي والتخطيط السياسي والنهضة الحضارية.

وفي النهاية، يبقى الواجب على الأمة أن تجمع بين الإيمان، والعمل، والوعي والتخطيط، والصبر والإصلاح، حتى تستعيد دورها الحضاري في العالم.

المراجع:

1 ) ابن كثير، إسماعيل بن عمر (774هـ)

تفسير القرآن العظيم.

تحقيق: سامي بن محمد السلامة.

دار طيبة للنشر والتوزيع، الرياض.

الطبعة الثانية، 1999م.

2 ) ابن عاشور، محمد الطاهر (1393هـ)

التحرير والتنوير.

الدار التونسية للنشر، تونس.

الطبعة الأولى، 1984م.

3 ) الشنقيطي، محمد الأمين بن محمد المختار (1393هـ)

أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن.

دار الفكر للطباعة والنشر، بيروت.

الطبعة الأولى، 1995م.

4 ) النووي، يحيى بن شرف (676هـ)

شرح صحيح مسلم.

دار إحياء التراث العربي، بيروت.

الطبعة الثانية، 1972م.

5 ) مالك بن نبي،شروط النهضة.

دار الفكر، دمشق.الطبعة التاسعة، 1986م.

6 )راغب السرجاني:التتار: من البداية إلى عين جالوت.دار نهضة مصر، القاهرة.

الطبعة الأولى، 2006م.

7 ) راغب السرجاني:ماذا قدم المسلمون للعالم؟،دار نهضة مصر، القاهرة.

الطبعة الأولى، 2009م.

8 ) محمد الهامي:الاستراتيجية في الفكر الإسلامي.مؤسسة الفرقان للتراث الإسلامي، لندن.الطبعة الأولى، 2017م.


تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة