"لَا أَسْتَطِيعُ تَغْيِيرَ اتِّجَاهِ الرِّيَاحِ، لَكِنْ أَسْتَطِيعُ تَعْدِيلَ أَشْرِعَتِي."
— Jim Rohn
(جِيمْ رُوهُون)
قِصَّةٌ قَصِيرَةٌ
الرَّجُلُ الَّذِي يُحَارِبُ الرِّيحَ...
فِي المَدِينَةِ الَّتِي كَانَتِ الرِّيَاحُ فِيهَا لَا تَهْدَأُ، عَاشَ رَجُلٌ قَضَى نِصْفَ عُمْرِهِ يُحَارِبُهَا.
كَانَ يَقِفُ كُلَّ صَبَاحٍ فِي السَّاحَةِ العَامَّةِ رَافِعًا قَبْضَتَهُ إِلَى السَّمَاءِ، كَأَنَّهُ يُوَبِّخُ الهَوَاءَ نَفْسَهُ.
قَالَ مَرَّةً بِصَوْتٍ مَسْمُوعٍ:
«سَأُغَيِّرُ اتِّجَاهَ هٰذَا العَالَمِ… وَلَوِ اضْطَرَرْتُ أَنْ أُمْسِكَ الرِّيحَ مِنْ عُنُقِهَا.»
ضَحِكَ النَّاسُ أَوَّلَ الأَمْرِ، ثُمَّ اعْتَادُوا المَشْهَدَ.
صَارَ الرَّجُلُ جُزْءًا مِنْ زِينَةِ المَدِينَةِ؛ تِمْثَالًا حَيًّا يُخَاصِمُ الهَوَاءَ.
جَرَّبَ كُلَّ شَيْءٍ.
كَتَبَ عَرَائِضَ ضِدَّ الرِّيحِ.
خَطَبَ فِي المَارَّةِ عَنْ ظُلْمِهَا.
بَلْ حَاوَلَ مَرَّةً أَنْ يَبِيعَ فِكْرَةً عَبْقَرِيَّةً: بِنَاءَ جِدَارٍ عَظِيمٍ يُوقِفُ الرِّيَاحَ عِنْدَ حُدُودِ المَدِينَةِ.
لَمْ يَشْتَرِ الفِكْرَةَ أَحَدٌ…
لٰكِنَّهُمْ صَفَّقُوا لَهُ بَدَافِعِ الشَّفَقَةِ.
مَرَّتِ السِّنُونُ، وَانْحَنَى ظَهْرُ الرَّجُلِ قَلِيلًا،
لٰكِنَّ الرِّيحَ بَقِيَتْ كَمَا هِيَ: سَاخِرَةً، حُرَّةً، لَا تَقْرَأُ العَرَائِضَ.
وَفِي مَسَاءٍ شِتْوِيٍّ بَارِدٍ، جَلَسَ قُرْبَ المِينَاءِ يَتَأَمَّلُ قَارِبًا صَغِيرًا يَشُقُّ المَاءَ بِهُدُوءٍ.
كَانَتِ الرِّيحُ نَفْسُهَا تَهُبُّ… لٰكِنَّ القَارِبَ لَمْ يَكُنْ يُقَاوِمُهَا، بَلْ يُغَيِّرُ زَاوِيَةَ شِرَاعِهِ فَيَتَقَدَّمُ.
عِنْدَهَا مَرَّتْ فِي خَاطِرِهِ فِكْرَةٌ بَسِيطَةٌ، كَأَنَّهَا هَمْسٌ خَفِيّ:
لَيْسَتِ الرِّيحُ هِيَ المُشْكِلَةَ فِي هٰذَا العَالَمِ… بَلِ النَّاسُ الَّذِينَ يُصِرُّونَ عَلَى مُحَارَبَتِهَا.
ظَلَّ يُحَدِّقُ طَوِيلًا… ثُمَّ ابْتَسَمَ لِأَوَّلِ مَرَّةٍ مُنْذُ سِنِينَ.
فِي صَبَاحِ اليَوْمِ التَّالِي، لَمْ يَقِفْ فِي السَّاحَةِ لِيَصْرُخَ فِي الرِّيحِ.
بَلْ شُوهِدَ وَهُوَ يَحْمِلُ خَشَبًا وَقِمَاشًا، وَيَبْنِي شَيْئًا يُشْبِهُ شِرَاعًا صَغِيرًا فَوْقَ عَرَبَتِهِ اليَدَوِيَّةِ.
وَحِينَ سَأَلَهُ أَحَدُهُمْ سَاخِرًا:
«أَخِيرًا سَتُغَيِّرُ الرِّيَاحَ؟»
هَزَّ رَأْسَهُ وَقَالَ بِهُدُوءٍ:
«لَا… لَقَدِ اسْتَسْلَمْتُ.»
ثُمَّ أَدَارَ الشِّرَاعَ قَلِيلًا، فَدَفَعَتِ الرِّيحُ عَرَبَتَهُ فِي الشَّارِعِ الطَّوِيلِ.
مَضَى الرَّجُلُ مُبْتَعِدًا يَضْحَكُ ضَحْكَةً خَفِيفَةً.
أَمَّا أَهْلُ المَدِينَةِ فَهَزُّوا رُؤُوسَهُمْ بِأَسًى وَقَالُوا:
«مِسْكِينٌ… لَقَدْ هَزَمَتْهُ الرِّيحُ أَخِيرًا.»
وَلَمْ يَفْهَمْ أَحَدٌ مِنْهُمْ
أَنَّهُ لِلمَرَّةِ الأُولَى فِي حَيَاتِهِ…
تَعَلَّمَ أَخِيرًا كَيْفَ يُبْحِرُ....!!.
القاص
د. عَبْدُ الرَّحِيمِ الشُّوَيْلِي
تعليقات
إرسال تعليق