"من الجنون أن تكره كل الورود لأن شوكة وخزتك."
أنطوان دو سانت
طيار وكاتب فرنسي
قصة قصيرة
الوردةُ التي نُسيت شوكتها...!!.
كَانَ في الثَّالِثَةِ وَالعِشْرِينَ حينَ أَحَبَّها، وَفي الرَّابِعَةِ وَالعِشْرِينَ حينَ اتَّخَذَ قَرارَهُ الصَّامِتَ بأن يُخَاصِمَ الكَوْنَ.
لَم يُنَبِّهْهُ أَحَدٌ إلى أَنَّ الحُبَّ لَيْسَ عَقْدًا يُفْسَخُ بإرادَةٍ مُنْفَرِدَة، وَأَنَّ القُلُوبَ لا تُسْتَرَدُّ بِإيصال. اسمُها لم يَعُدْ يَعنيه؛ مَحا حُروفَهُ مِن ذاكِرَتِهِ، وأبْقَى بَدَلًا منه كَلِمَةً واحِدَة: شَوْكَة.
جَلَسَ أَمامَ المِرآةِ يَوْمَ بَلَغَهُ خَبَرُ رَحيلِها. أكانَ رَحيلًا أَم خِذلانًا أَم اخْتِيارًا لِغَيْرِهِ؟ الاحْتِمالاتُ تَكاثَرَت، غيرَ أَنَّهُ آثَرَ أَلّا يَتَقَصّى مِنها شَيْئًا؛ فَالحَقيقَةُ تَحْتاجُ إلى قَدْرٍ مِنَ الشَّجاعَة، وهوَ لَم يَكُنْ يَمْلِكُ يَوْمَئِذٍ غَيْرَ كِبْرِياءٍ جَريح.
قالَ لانعكاسِهِ: انْتَهى الأَمْر.
فأجابَهُ الانعكاسُ بِبُرودٍ لاذِع: وأَيُّ أَمْرٍ تَزْعُم؟
قالَ: الحُبّ.
قال: أَوَكانَ مُؤَسَّسَةً تُغْلَقُ بِقَرارٍ إدارِيّ؟
فَحَطَّمَ المِرآةَ؛ إذْ لَم يَحْتَمِلْ أَنْ يَكونَ أَوَّلُ مُعارِضيهِ ظِلَّه.
ومُنْذُ ذاكَ اليَوْمِ اتَّخَذَ لِنَفْسِهِ هَيْئَةَ الواعِظِ المُتَجَهِّم. في المَقاهي، وفي العَمَل، وفي سَيّاراتِ الأُجْرَة، كانَ يَخْتِمُ كُلَّ حَديثٍ بِجُمْلَةٍ قاطِعَة: النِّساءُ جَميعًا سَواء. يَتَلَفَّظُ بها كأنَّه يُعْلِنُ قانُونًا كَوْنِيًّا، مع أن تَجْرِبَتَهُ لَم تَتَجاوَزْ حُدودَ سُقوطِهِ الشَّخْصِيّ.
سَأَلَهُ صَديقٌ ذاتَ مَساء: وأُمُّكَ أَيْضًا سَواء؟
فَبُهِتَ، واضْطَرَبَ، وارْتَشَفَ قَهْوَتَهُ بِمَرارَةٍ مُضاعَفَة.
راحَ يَخُطُّ عِباراتٍ عابِسَة: الحُبُّ وَهْمٌ كِيمْيائِيّ، وَالقَلْبُ عُضْوٌ فائِض، وَالعَقْل وَحْدَهُ كافٍ لِلنَّجاة. غيرَ أَنَّهُ كانَ، كُلَّما أَرْخَى اللَّيْلُ سُدولَهُ، يَفْتَحُ دُرْجًا سُفْلِيًّا يَحْتَفِظُ فيه بِرَسائِلِها، كَما يُخْفي المَرْءُ أداةَ الجَريمَة أَو قَرِينَةَ البَرَاءَة. قَرَأَ مَرَّةً سَطْرًا قَديمًا: أَخْشى أَنْ أَكونَ يَوْمًا سَبَبَ أَلَمِكَ. فَابْتَسَمَ ابْتِسامَةً قَصيرَةً وقالَ في سِرِّهِ: سَبَقَ الخَوْفُ أَوانَهُ.
ومَضَتْ أَعْوام. ذاتَ مَساءٍ وَصَلَهُ كِتابٌ مُقْتَضَب: لَو عَلِمْتَ الحَقيقَة… لَأَبْغَضْتَ نَفْسَكَ لا الحُبّ.
تَجَمَّدَ في مَكانِهِ، وتَسَلَّلَ العَرَقُ إلى كَفَّيْهِ. أَعادَ قِراءَةَ العِبارَةِ مِرارًا، وحاوَلَ الاتِّصالَ بِالرَّقْمِ فَكانَ مُغْلَقًا. لأَوَّلِ مَرَّةٍ يَتَسَرَّبُ إِلَيْهِ خَوْفٌ لا يُشْبِهُ الغَضَب. ماذا لَو لَم تَخُنْهُ؟ ماذا لَو كانَتْ تَضْحِيَةً لَم يُدْرِكْها؟ ماذا لَو كانَتِ الحِكايةُ أَوْسَعَ مِن حُدودِ كِبْرِيائِهِ؟
الْتَقاها مُصادَفَةً في مَعْرِضٍ لِلْكُتُب. لَم تَبْدُ سَعِيدَةً تَمامًا، ولا شَقِيَّةً تَمامًا. نَظَرَ إِلَيْها طَوِيلًا، يَنْتَظِرُ أَنْ تَثورَ في صَدْرِهِ تِلْكَ الكَراهِيَة الَّتي صانَها سَنَواتٍ كَأَنَّها عَقِيدَة. لَم تَثُر.
قالَ بِبُرودٍ مُتَكَلَّف: كَيْفَ أَنْتِ؟
قالَتْ بِهُدوءٍ لا يَخْلو مِن تَعَب: كُنْتُ أَحْسَبُكَ أَقْوى مِن أَنْ تُعْلِنَ حَرْبَكَ عَلَى العالَمِ بِسَبَبِي.
صَمَتَ.
ثُمَّ أَرْدَفَتْ: لَم أَخُنْكَ. كُنْتُ أُصارِعُ مَرَضًا، وَاخْتَرْتُ الرَّحِيلَ كَيْ لا أُقَيِّدَكَ بِأَلَمٍ لَسْتَ مُلْزَمًا بِهِ.
ابْتَسَمَتْ ابْتِسامَةً واهِنَة وَمَضَتْ. لَم يَتْبَعْها.
عادَ إِلى بَيْتِهِ، فَتَحَ الدُّرْجَ القَديم، وأَخْرَجَ الرَّسائِلَ جَميعًا. كانَتْ بَيْنَ صَفَحاتِها وَرْدَةٌ يابِسَة، هَشَّةٌ كَذِكْرَى بَعِيدَة. أَمْسَكَها، فَانْغَرَسَتْ شَوْكَةٌ دَقيقَة في إِصْبَعِهِ. نَظَرَ إِلى نُقْطَةِ الدَّمِ، وَتَأَمَّلَها طَوِيلًا.
تَبَسَّمَ — لا سُخْرِيَّة هذِهِ المَرَّة، بَل إِدْراكًا.
قالَ في نَفْسِهِ: لَم تَكُنِ العِلَّةُ في الوُرود قَطّ، بَل في القَبْضَة الَّتي أُحْكِمَتْ عَلَيْها أَكْثَرَ مِمَّا يَنْبَغِي.
وفي الغَدِ لَم يُنْشِئْ مَذْهَبًا جَديدًا، وَلَم يَقَعْ في حُبٍّ آخَر.
كُلُّ ما فَعَلَهُ أَنَّهُ كَفَّ عَنْ مُعاداةِ الرَّبيع....!!.
القاص
د. عبد الرحيم الشويلي
القاهرة
5 مارس/آذار/2026م.
تعليقات
إرسال تعليق