أشباح الذكرى

لست أدري، هل هي ملامح من الأدب، أم شقاوة خرباشات طفل؟ ولكن يبدو أن الطفل كبر، كما كبرنا جميعًا، ونسي شقاوة الطفولة، فأصبحت حكايات ذكريات، وحبر أقلام، وقصص وكتابات.


أنا أقف على حافة الذكرى، أتأمل كيف كانت الأيام تمضي بسرعة البرق، وكيف توقفت عند لحظة فارقة. ذاكرتي مليئة بالأصوات التي لم تعد تهمس، ووجهك يبقى الوحيد الذي لم يختف من عيني. أبحث عن زاوية هادئة أختبئ فيها من ضجيج الحاضر، لكنني أجد نفسي محاصرًا بأحلام لم تتحقق. كل ما أريده الآن هو الراحة، أن أجلس في هدوء الصمت، أتذكر، وأتنهد دون أن يسمعني أحد.


فبعض الأيام تُعلّمنا أن الحياة ليست إلا مسرحية كبيرة نتقاسم فيها الأدوار والأقنعة، وأن كل ما نملكه هو لحظات نستعيد فيها ما فات. وهكذا تجدني أختار الوحدة، لا كرهًا في الناس، بل لأن القلب حين يمتلئ بالوجع، يبحث عن مكان بعيد يخلو فيه لنفسه لكي يحاول اعادة ترتيب شتات خيوط نسيج روحه التى تقتات من هدوءه ،حين تجد نفسك بين الناس مرتبط بالجسد واقف حاضر وروحك غائبة في عالم آخر عنهم مؤجلة اعتزل الناس افضل لك .


أشباح الماضي.. وما تبقى من الألم يقولون إن النسيان سلاح الزمن، لكنهم لم يخبرونا أن بعض الجروح لا تُشفى، بل تتحول إلى بيوت مظلمة من الصمت. انظروا جيداً إلى تلك العتمة في عينيه، إنها ليست مجرد ظل، إنها منطقة تسجن فيها الروح ما بين الخيال و الواقع ، لا ينقظها الا الموت .


رماد الروح: لم يعد هناك متسعٌ للحزن، فقد استُنزفت المشاعر تماماً. ما ترونه الآن هو "شبح" إنسان، كان يوماً يفيض بالأمل، فأصبح يفيض بالفراغ ممتلاء من الخارج خاوي من داخل ، لقد أفرغته من ذاته واحلامه، تلك سلوكات التي استهترتم بها، كانت تقتل في كل مرة جزءاً من حياته، حتى تلاشى مثلما تتلاشى تذوب صخرة الجليد .


تلك الملامحٌ الباهت تلك التجاعيد في الوجه، والكسرات في النظرة، هي بصمتكم القاسية. لقد تركتها خلفكم من صنيعة قوة أيديكم أخاديد الألم في روحٍ لم يكن يعرف سوى الود محتشما بالحياء. لم تكسروا قلبه فحسب، بل أفسدتم قدرته على العيش من جديد تحطم من داخل مثله مثل الكثيرين الذين يسكنو في ظل شبح الانسان .


انه مثل غريب يشعر بأنه يقيم في وطن الآخرين وهو في وطنه لكن أغرب أنواع الغربة  هو أن تعيش غريباً وسط من ظننتهم رحم سكنك. أن تنظر في المرآة فلا تعرف ملامح وجهك ،لا تفهم من حولك لا تعرف الأشخاص حبيب من غريب ، الذي يحدق بك اليوم ، لأن "أفعالهم" شوهت حتى ملامح صورهم أمام مرأة أنفسهم .


لقد وصل المرء إلى مرحلة لم تعد فيها تؤلمه الأوجاع ، لأن القلب تعود على الألم توقف عن الشعور من ضربة الغفلة  الصدمات و فرط الخذلان. إنه الآن في مرحلة فقد فيها الاحساس حيث يتساوى الألم والأمل، وتصبح كل الكلمات مجرد صدى فارغ بلا معنى و سهو بلا فكرة .


لقد نجحتم في تحويل الحياة إلى قصة منتهية من تجديد الاقنعة وانفاس الانتهازيين والمجرمين ، من كثرة الملل ، حتى اصبحت الارواح تخاف ظلمة الجسد ، أصبحنا هياكل بلا بمشاعر مثل حجر الاصنام صاحبة من الخارج وفارغة من داخل ، اصبح الانسان صنم بلا روح ، حتى أيام ذكرياتنا تحولت إلى غبار يطير في الهَوَاءِ."


و أني أخشى أن أستيقظ يومًا في عالم آخر لأجد أنني ضيّعت عمري بسبب خوفٍ على الدنيا و قرار اتخذته وأنا في سن الشباب… كنت أخشى أن أفتح عيني على نافذة أخرى ذات مساء خلف صباح، فأجد أن السنوات مرّت مسرعة كرياحٍ لم تترك وراءها سوى أثرًا، وأنني بقيت في مكانٍ واحد أحمل أفكارًا بالية ومعتقدات بدل التفكير وتغيير.


كنت أخاف من تلك اللحظة التي ينظر فيها الإنسان إلى عمره كلوحةٍ قديمة، ويكتشف أن أجمل ألوانها ضاعت في محاولات إرضاء غرباء و أشخاصٍ لم يقدّروا قلبه يومًا. كم كان يخيفني أن أصل إلى ذلك العمر وأكتشف أنني عشت نصف حياتي من اجلهم حتى نسيت نفسي أطارد نجمة في السماء أحلامًا، أو أتشبث بذكرياتٍ لم تكن لي منذ البداية.


أن أكتشف متأخرًا أن بعض الطرق التي اخترناها بحسن نية كانت مجرد متاهاتٍ طويلة لن يكن لبدى منها، وأن بعض الأشخاص الذين يحسنون الرقص وتخفي الذين وثقنا بهم لم يكونوا سوى دروسٍ قاسية كتبتها لنا الحياة بأثر الجروح على حافة قلوبنا .


لكن الحقيقة التي بدأت أفهمها ببطء… أن العمر لا يضيع فقط في الخيارات الخاطئة، يضيع مع الصبر والانتظار ،بل يضيع أكثر حين نخاف أن نبدأ من جديد أيضا حين نفقد روح الأمل. فربما السن مجرد رقم و ليس نهاية التي كنا نخافها، بل لحظة الإدراك الكبرى التي يفهم فيها الإنسان أن الحياة لم تكن تقاس بعدد السنوات التي مضت، بل باليقين والادراك الذي نكتشفه ثم نعود نملكه لننهض بعد كل خيبة ونكتب بقية الحكاية من جديد كما نريد.


ومع ذلك… لا يزال في داخلي ثورة من الشك ، أن أستيقظ يومًا وأجد أن قلبي توقف عن الحلم، وأن روحي لم تكف عن الجري وراء أحلام كانت دائمًا تسابقنا دائما بخطوةٍ.


بقلم طواهري امحمد.


تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة