الطائفية من أسلحة الدمار الشامل
حين تتحول الطائفة إلى معيار للحياة والموت، يصبح العالم مكانًا بلا أمان، بلا سبب، بلا تسلسل منطقي يمكن للعقل أن يستند إليه. في هذا السياق، لا يصنع الإنسان مصيره بنفسه، ولا حتى الموت يرتبط بأفعاله الشخصية، بل بمقاييس اجتماعية مضمَّخة بالخوف، بالشك، وبحاجات الجماعة إلى تثبيت نفسها على حساب الآخر. هنا، الدين لا يُقدّم نورًا ولا يقود إلى رحمة، بل يتحول إلى أداة سلطة تستخدم الإيمان لتبرير القتل، والطاعة لتبرير الاستباحة، والشك في الانتماء ليصنع عدالةً وهمية تختصر حياة الإنسان في لحظة واحدة. يصبح كل شيء ممكنًا: أن تُقتل بلا سبب سوى الانتماء، أن تُهدَّم كل إنجازاتك، أن تختفي كل لحظاتك من الكرامة التي بناها صبرك وجهدك، وكل ما تعلمته عن المقاومة والتحمل لا يحميك أمام آلة الموت التي تعمل بدافع الطاعة أو الخوف أو التعصب.
في هذه البيئة، الحياة نفسها تصبح لعبة على حافة الهاوية، حيث كل خطوة محسوبة ليس على أساس المنطق أو الاستحقاق، بل على أساس الانتماء الظاهر أو الظن الذي يزرعه الآخرون في أذهانهم. الإنسان الذي حاول أن يحمي نفسه، وأن يحفظ كرامته في كل محطات الجزء الأول من حياته، يجد نفسه أمام اختبار آخر: هل يظل إنسانًا كاملًا يرفض الذل والتحلل، أم يتعلم التكيف مع قسوة العبث ليتجنب الموت؟ هنا يكمن صراع داخلي أعقد من أي حرب خارجية، لأن العدو ليس مجرد قوة، بل فكرة، شعور، اعتقاد، شك، وكلها تتسلل إلى قلب المجتمع لتقتل بلا إعلان.
ولكن في هذا الفضاء الأسود أيضًا، يبقى شيء لا يمكن للعبث أن يمسّه: وعي الإنسان بذاته، إدراكه لما هو صحيح أو خاطئ، رفضه الاستسلام للظلم حتى لو بدا بلا جدوى. القدرة على الحركة، على المقاومة بطرق صغيرة، على التهرب من المصيدة، تصبح كل شيء؛ ليس مجرد البقاء الجسدي، بل الحفاظ على الروح، على البيت الداخلي الذي يسكن فيه الإنسان حتى وسط جحيم الطائفية والقتل العبثي. هنا تتضح الحقيقة التي عرفتها منذ البداية: العبث موجود، المصاعب متراكمة، والموت يترصد، لكن قدرة الإنسان على التكيّف، على التحرك بحذر، على استخدام الحد الأدنى من الإمكانات المتاحة له، هي ما يمنحه فرصة للنجاة، لكتابة صفحة جديدة، لبناء مساحة من الحياة وسط الجحيم.
إذن هذا ليس مجرد متابعة لسردٍ تاريخي، بل اختبار وجودي، تجربة لمدى ثبات الإنسان أمام قوى لا تفهم الرحمة، لا تميز بين الجدارة والظلم، لا تتوقف أمام المعايير الإنسانية. وكل لحظة في هذا العالم المحاط بالموت، كل قرار صغير، كل حركة على الأرض المشتعلة، تصبح حاسمة، ليس فقط من أجل البقاء، بل من أجل الحفاظ على ما تبقى من إنسانية في قلبك وروحك، وسط عالم لا يكترث إلا للانتماء الظاهر والسلطة المستبدة والخوف الجماعي.
تعليقات
إرسال تعليق