المقال 92 من سلسلة نهضة الأمة"
العدل أساس الاستقرار، والتمكين: منهج ذي القرنين في قيادة الأمم"
المقدمة:
لا تنهض أمة بلا عدل، ولا يستقر سلطان بلا إنصاف، ولا يدوم تمكين إذا تأسس على الظلم. والقرآن الكريم حين عرض لنا نموذج ذي القرنين في سورة الكهف، لم يقدّمه كقائدٍ فاتحٍ بالسيف فحسب، بل كقائدٍ عادِلٍ أقام العمران، وحمى الضعفاء، وربط القوة بالأخلاق، والتمكين بالمسؤولية.
قال تعالى:
﴿إِنَّا مَكَّنَّا لَهُ فِي الْأَرْضِ وَآتَيْنَاهُ مِن كُلِّ شَيْءٍ سَبَبًا﴾ [الكهف: 84].
فالتمكين هنا سابقه عدل، ولاحقه أمان، ووسطه حكمة.
أولًا: العدل بوصفه أساس الاستقرار
العدل ليس قيمة أخلاقية مجردة، بل ضرورة حضارية تحفظ المجتمعات من الانهيار. وقد عبّر العلماء عن ذلك بقولهم:
إن الله يقيم الدولة العادلة وإن كانت كافرة، ولا يقيم الدولة الظالمة وإن كانت مسلمة.
وذو القرنين حين خُيِّر بين البطش والعفو، جعل العدل هو الميزان:
﴿أَمَّا مَن ظَلَمَ فَسَوْفَ نُعَذِّبُهُ… وَأَمَّا مَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَهُ جَزَاءً الْحُسْنَى﴾ [الكهف: 87–88].
فلا محاباة، ولا انتقام أعمى، بل قانون يسري على الجميع.
ثانيًا: التمكين المسؤول لا التسلط:
التمكين في منهج ذي القرنين لم يكن استعلاءً على الشعوب، ولا نهبًا لثرواتها، بل خدمة للإنسان.
حين استغاث به قوم بين السدين، لم يستغل ضعفهم، ولم يقبل أموالهم:
﴿مَا مَكَّنِّي فِيهِ رَبِّي خَيْرٌ﴾ [الكهف: 95].
وهنا درس عظيم لقادة اليوم:
المنصب أمانة لا غنيمة
السلطة تكليف، لا تشريف.
القوة وسيلة للبناء، لا للهدم
ثالثًا: القيادة بالعدل تصنع الأمن
أعظم إنجاز حققه ذو القرنين لم يكن السدّ في ذاته، بل الأمن الذي تحقق بسببه.
فالعدل يولّد الطمأنينة، ويكسر دوافع الفوضى، ويُغلق أبواب الفتن.
ولهذا قال النبي ﷺ:
«الإمام العادل في ظلّ الله يوم لا ظلّ إلا ظله» (متفق عليه).
فحيثما ساد العدل، سكنت النفوس، وازدهرت الأوطان.
رابعًا: دروس نهضوية للأمة اليوم:
إن أزمتنا في عالمنا العربي والإسلامي ليست أزمة موارد، بل أزمة عدل.
ومن منهج ذي القرنين نتعلم أن:
لا نهضة بلا عدل شامل
لا تمكين بلا محاسبة
لا استقرار مع الظلم مهما طال الزمن
القائد الحق هو من يحمي الضعفاء قبل الأقوياء
خاتمة:
إن قصة ذي القرنين ليست حكاية تاريخية، بل منهج قيادة وبناء أمة.
فإذا أردنا نهضة حقيقية، فعلينا أن نعيد للعدل مكانته، وللقيم سلطانها، وللقيادة معناها الأخلاقي.
فالعدل هو الجسر بين الإيمان والتمكين، وبين القوة والاستقرار، وبين الحاضر المأزوم والمستقبل المنشود.
اللهم فرج أهلنا في غزة والسودان يارب العالمين .
بقلم الدكتور .م.عيد كامل حافظ النوقي
تعليقات
إرسال تعليق